كل ذلك يعرب عن أنّ عبد اللّه بن اباض كان رجلًا كاملًا وداعياً قويّاً إلى خط الاعتدال وكان هو الناطق باسم هذه الجماعة ، فنسب المذهب إليه لأجل ذلك ، فكونه هو المؤسّس للمذهب أو الداعي القوي إلى خط الاعتدال الذي أسّسه أبو بلال هو الأقوى بالنظر إلى النصوص التاريخية ، والناظر إلى رسالته التي كتبها إلى عبد الملك بن مروان يجده مناظراً قويّاً ينقض دليل خصمه بحجّة أقوى من حجّته ، ونذكر منه نموذجاً :
احتجّ عبد الملك على صلاح معاوية بقوله : « إنّ اللَّه قام معه وعجّل نصره وبلّج حجّته وأظهره على عدوّه بالطلب لدم عثمان . . . . » فأجابه في ذلك عبد اللّه بن اباض بقوله : « فإن كنت تعتبر الدين من قبل الدولة والغلبة في الدنيا فإنّنا لا نعتبره من قبل ذلك ، فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون « 1 » وظهر المشركون على المؤمنين ليبلي المؤمنين ويُعلي الكافرين . . . فلا تعتبر الدين من قبل الدولة . . . » .
ولو كان هو الكاتب لتلك الرسالة « 2 » ولم تكن مملاة عليه ، لدلّ على إحاطته بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية . كل ذلك يؤيّد انّه هو المؤسّس الثاني للمذهب بعد انطماس خط أبي بلال . وبما أنّ في تلك الرسالة احتجاجات على الطغمة الأمويّة ، وفي الوقت نفسه ، تعكس الأحوال
هامش
( 1 ) . لعلّه إشارة إلى قوله سبحانه في حقّ بني إسرائيل قال : « عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ » - الأعراف : 129 - .
( 2 ) . قد نقل البرّادي في كتاب الجواهر المنتقاة رسالة ابن اباض : 156 - 167 ، والكتاب مطبوع بمصر طبعة حجرية ؛ كما نقلها مؤلف السير والجوابات لبعض أئمة الاباضيّة .