تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
بحكمها العقل على وجه اللزوم والقطع كالملازمات العقليّة ، مستقلّة كانت أو غير مستقلّة ، والأوّل كاستقلاله بالبراءة عن أيّ تكليف فيما إذا لم يرد من الشارع فيه بيان ، ولزوم الفحص عن بيّنة مدّعي النبوّة ، والنظر في دعواه وبرهانه ، والثاني كالمسائل المعروفة بباب « الملازمات العقلية » في أُصول الفقه ، كادّعاء الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته ، أو نقيضه ( الضد العام ) إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه ، ولا يحتجّ به الّا فيما إذا لم يرد من الشرع حكم في مورده ، وإلّا فلا يقام له وزن ، ولأجل الغلوّ الموجود في كلماتهم التي ترتبط بالعقل نجد لهم فتاوى فقهية لا توافق الكتاب والسنّة ، وقد أعطوا للعقل العاطفي فيها قيمة أكثر ممّا أعطوه للكتاب والسنّة ، فقدّموا حكم العقل الظنّي على الحكم الشرعي القطعي ، وإليك نماذج : 1 - قد بلغت السماحة وحب السلام لدى الأباضية أنّ فقهاءهم فضّلوا الصلح بين أي فئتين من المؤمنين وقع القتال بينهما ، وأنّه لا ينبغي لأحد أن يفضّل أيّ فئة منهما على الأُخرى ، حتى لا تحدث فتنة ، وفي ذلك قال أحد شيوخهم من المغاربة : « إنّه إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين فالأحبّ إليّ أن يصطلحوا ، فإن لم يفعلوا فالأحبّ إليّ أن لا تغلب فئة فئة ، فإنّ من أحبّ أن تغلب أحدهما الأُخرى فقد دخل في الفتنة ولزمه ما لزمه أهل تلك ، وكان سيفه يقطر دماً ، والسلامة عندي أن يكونا في البراءة سواء ، لا يرجّح إحدى الطائفتين ، فإنّه متى رجّح أُثم » . « 1 »
هامش
( 1 ) . الأباضية في مصر والمغرب : 61 ، نقلًا عن طبقات المشايخ بالمغرب للدارجيني : 2 / 491 .