تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
خرج من حبس ابن زياد عزم الخروج ، فقال لأصحابه : إنّه واللَّه ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين ، تجري علينا أحكامهم ، مجانبين للعدل ، مفارقين للفصل ، واللَّه إنّ الصبر على هذا لعظيم ، وإنّ تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم ، ولكنّا ننتبذ عنهم ولا نجرّد سيفاً ولا نقاتل إلّا من قاتلنا . فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلًا ، فلمّا مضى بأصحابه لقى عبد اللّه بن رباح الأنصاري ، وكان له صديقاً فقال له : أين تريد ؟ قال : أُريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة ، فقال له : أعلم بكم أحد ؟ قال : لا . قال : فارجع ، قال : أو تخاف عليّ مكروهاً ؟ قال : نعم وأن يؤتى بك ، قال : لا تخف فإنّي لا أُجرّد سيفاً ولا أُخيف أحداً ولا أُقاتل إلّا من قاتلني ، ثمّ مضى حتى نزل « آسك » وهي ما بين رامهرمز وارجان ، فمرّ به مال يحمل لابن زياد ، وقد قارب أصحابه الأربعين ، فحطّ ذلك المال ، وأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه ، وردّ الباقي على الرسل وقال : قولوا لصاحبكم : إنّما قبضنا أعطياتنا ، فقال بعض أصحابه : فعلام ندع الباقي ؟ فقال : إنّهم يقسمون هذا الفيء ، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم . كل ذلك دليل على عدم تطرّفه واعتداله وانّه أحسّ بعقله أو بدينه أن مآل التطرّف هو الموت والزوال . وممّا يدل على اعتداله - خلافاً لمن سبق عليه - أنَّ رجلًا من أصحاب ابن زياد ، قال : خرجنا في جيش نريد خراسان ، فمررنا ب « آسك » فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلًا ، وصاح بنا أبو بلال : أقاصدون لقتالنا أنتم ؟