ان اخرجوا منها الفرخ ، فلمّا نظر الذكر منهما إلى الفرخ طار وجاء ومعه بعد هنيهة مقدار عشرة لقالق ، فاحتاطوا باللقلقة الأنثى وضربوها بمناقيرهم إلى أن قتلوها ، قال ففسرت انهم ظنوا ان البط سفدها فلذلك قتلوها .
ومن ذلك العلم الذي وصفه الحكماء مثل : بولس ، واسكندريس الطلسمين ، وأرمينوس ، ومقسيموس وغيرهم على جزر الطير دون سائر الحيوانات الخرس ، وطلبوا لأفعالهم تأويلا مثلما يطلب لأحلام البشر ، وبينوا ان للطير ولكل جنس منها في وقت وزمان تفسيرا وباطنا ، وشرحوا لأصوات كل نوع منها بيانا وتأويلا ، وأخرجوا من ذلك أحكاما مثل احكام النجوم والأفلاك ، واستنبطوا منها علوما توازي علوم المنجمين مثلا ، وان هؤلاء الحكماء قد ذكروا في كتبهم ان هذا العلم علم طباعي « 1 » لا علم نفساني ، وذلك ان الطيور من الدرجات الطباعية ، لا من الدرجات النفسانية ، ومن ذلك ان انتقالها من بدء كونها إلى انتهائها شبيه بانتقال البشر ، لان انتقال البشر على أربعة أوجه : أحدهم :
صلب الذكر ، ثم رحم الأنثى ، ثم الدنيا مع القالب ، ثم بعد الموت بلا قالب ، كذلك انتقالات الطيور في أربعة أماكن من بين سائر الحيوانات الخرس ، أحدهم : صلب الذكر ، ثم بطن الأنثى ، ثم البيضة ، ثم الدنيا ، ومن ذلك انها استفادت زيادة في أجسامها حتى طارت وبلغت ما لم يتهيأ لأحد من الجسمانيين بلوغه ، وكما استفاد البشر من العلوم التي تهيأ له بها الارتقاء إلى درجة الخلود ، ما عجز عنه سائر الجسمانيين ، وقد قرن الجسم بالعلم عند الفصل فقال :
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
. فمن هاهنا ضرب اللّه أكثر الأمثال على الطيور من بين سائر الحيوانات الخرس ، ومن ذلك قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ، فَأَمَّا
هامش
( 1 ) وردت في نسخة ق « طبيعي » .