البهائم والسباع ، وواسطة السباحات ، وطرفه الاعلى هي الطيور ، فأثرت فيه روحه الحسيّة القوة الناطقة فصارت لها زامّة ، ومعنى القوة الناطقة قبول التعليم لأي شيء كان نطق أو غيره ، ومن هاهنا وجب انه لم ينطق من أنواع الحيوان الخرس شيء ، الّا من نوع الطيور ، ولم يقبل التعليم من أجناس الحيوان الغير ناطق أكثر ممّا قبله جنس الطيور ، وانك إذا نظرت إلى أحوال الطيور بعين الحقيقة والانصاف وجدتها شبيهة بأحوال البشر الذي هو الحيوان الناطق ، فمن ذلك ما يقبله الباز والصقر والعقاب والشاهين والباشق وأمثالهما من تعليم الصيد ، ومن ذلك لعب الحمامات وأمثالها ، ونطق الببغاء والعقعق والزرياب « 1 » والدّرج والمطوّق والقمري والشاري ، فأمّا الببغاء والعقعق فانّهما يتكلمان كلّما تعلما من الكلام ، وأمّا الزرياب فإنه يكون بالعراق ، وأكثر كلامه : « ويحك يا نبطيّة طبختي القنبضية » ، وامّا الدّرج فان أكثر كلامه « ببغداد قد طاب نبيذ الدفل » وفي جرجان ان يقول : « بكركان خردي دروسي كرهكره بهما فتكن ديدي » ، وامّا القمري فان أكثر كلامه : « موسى شورى حي كل » ، وامّا الشاري فإنه يكون بالعراق ، فأكثر كلامه ان يقول : « يأتي النبي التقي وعلي التقي » ، ومن ذلك بناء الخطاطيف والنحل « 2 » والزنابير وان لها بيوتا تشبها بأبنية البشر ، ومن ذلك ما رايت مع اعرابي جاء من العراق إلى خرسان ومعه غراب يفرش الفراش ويبسطه بمنقاره ، ويخبئ له خبيّة بين عشرين نفسا فيخرجها بإشارة صاحبه إليه من غير أن يفق على تلك الإشارة أحدا ممن في المجلس ، ويركب الديك ويضربه بمنقاره ويسوقه كما يسوق الرجل دابته ، ممّا لم أراه بعيني من العجائب التي في الطيور ، وسمعته أكثر من أطيق وصفه في كتابي ، هذا ومن ذلك ان الطيور تتزوج ، ويحفظ الذكر ولده ويفديه لحفظ انشاءه له ، وتفديته إياه شبيها بالحيوان الناطق وسائر ذكور الحيوان الخرس لا يفعلون ذلك ، بل ليس لهم همة الّا الفساد ، وقد روي عن « محمد المكنّى بابن جابر السبع » أعجوبة : وذلك أنه قال : رفعت بيضة من وكر اللقلق ، ووضعت مكانها بيضة بطة ، فحضنها اللقلقان الذكر والأنثى ، أحدهما بعد الآخر إلى
هامش
( 1 ) في نسخة س وردت الزارب .
( 2 ) سقطت في نسخة ق .