هذا وان الأرض مركز لسائر الأفلاك التي هي في جوفه ، والأفلاك متحركة ابدا كالذكران والأرض ساكنة من تحتها كالإناث ، والمتولدات تتولد فيما بينهما ، ثم وجدنا بعد ذلك الفلك الأعظم الاعلى المعروف بالفلك المستقيم ساكنا وسكونه لا كالسكون المشاهد المعروف عندنا ، ولا نجد ابدا الّا ان نقول هو ساكن لمّا وجدناه مكانا للمتحرك والساكن ، ولكن نقول ساكن لا بنوع السكون المشاهد عندنا بل على سبيل ما ذكرنا لا يحويه الوهم ، وذلك لان السكون الوهمي المتولد من النفس قام له مقام الروح للبدن ، وقال بعض المنجمين : ان الفلك المستقيم يسير في كل مائة وعشرين سنة مقدار ما يسيره فلك البروج في يوم وليلة ، وذلك لان حركته بالحقيقة هي السكون الوهمي ، لان كل واحد من اجزائه على اي حال وجد انما يوجد وقتين في مكان واحد ، وهذا هو معنى السكون ، وكل واحد من سائر اجزاء الأفلاك لا يوجد بوقتين في مكان واحد ، فلذلك وجب في مسيره ، وفي قول بعض المنجمين في كل مائة وعشرين سنة مقدار ما تسيره سائر الأفلاك في يوم وليلة ، فكل حركة موجودة بينهما فهي من تأثير الفلك المستقيم ومستفادة منه ، ولمّا ثبت ان يكون الفلك المستقيم ساكنا على ما قد ذكرناه سكونا وهميا لا حيّا وجب ان يكون فوقه حركة لطيفة هي في الفضل على السكون .
وقد علم الخاص والعام ان طعم العسل حلوا طيبا وكذلك هذه العلوم الربانية التي ذكرناها من تأويل الشرائع إذا عرضت على الأرواح المريضة ثقل عليها قبولها ، وتبحث عندها آثارها مثل الكفر والزندقة ، فلمّا كان الامر على ما وصفناه صحّ ان ذو الجسم وغداؤه لا ينتفع به الروح ولا غداء الروح ينتفع به الجسم ، وذلك لان رجلا ما لو احتاج للوصول إلى علم الطب والفلسفة والدين في الشرائع فجمع من غذاء الأجسام الطف الأغذية وأعلاها من الفالوذج واللحمان وغيرها ، وأكلها ليصير بتلك الأغذية عالما بما ذكرنا لا يمكنه ذلك ، وكذلك غذاء الروح وعلمها لا ينتفع الجسد لغذائها ، وانه لو جاء واعلم الناس إلى رجل جائع فتلا عليه علم الأولين والآخرين لم يسكن بجسمه من لهب الجوع « 1 » وألمه ، ولم ينتفع بتلك العلوم ، وكان رغيفا يأكله في تلك الحال أحب إليه
هامش
( 1 ) في نسخة س وردت المجاعة .