الخرس ترى صفات الفعل ، ولا ترى صفات الذات ، ولا تعلمها ، ومن هاهنا شبه اللّه القشرية بهم حيث قال :
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
وحيث قال :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
لأنهم لمسوا التنزيل وأقروه وعاينوه ، لكن عمت قلوبهم عن معرفة معانيه ، وتأويل متشابهه ، كما أن الانعام رأوا صفات الفعل ، وعميت قلوبهم عن معرفتها ، وقد ساواهم اللّه معهم حيث قال :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
اي ترى الاشخاص وتسمع الأصوات ولكنها عاجزة عن معرفة ما في الشخص من المضار والمنافع ، كذلك القشرية يريدون القرآن ويقرءونه ، ولا يعرفون ما فيه من مضارهم ومنافعهم ، واللبيّة يعرفون ذلك جميعا ، فلذلك أثبت اللّه لهم ما نفاه عن القشرية في قوله تعالى :
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ
فدلّت هذه الآية على أن من خالف امر اللّه ليس بأولي الأيدي والابصار لأنه قد نفى عن القشرية ذلك بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ
فقد تبين بهذه الآية ان ليس لهم أرجل ولا أيد ولا أعين ولا اذان ، فلو كان بما وصف عنه من جوارح الجسد لكان كل من خالف امر اللّه بغير أيد ولا أرجل ولا أعين ولا اذان ، ولم يكن ينالها الّا اولي الألباب ، لكن عنى بما وصف به عباده المصطفين لتهيئوهم لقبول ما في العالم العلوي ، إذ المثاب بعد الموت لا يخلو من الأيدي ولا الأرجل والأعين والآذان الروحانية ، بما قدمنا ذكره ، ولا تكن هذه الأشياء للمعاقب بعد الموت الّا منكوسة لا ينتفع بها بل يؤلم بذلك ويعذب به ، والمستجيبون والمأذونون والأجنحة يرون صفات الفعل الذين هم الحدود الجسمانية ، ويتصلون