تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
العالم ، فإنّ ذلك مفتقر إلى تحقيق أنظار وتسديد أفكار ، فعاند ذلك الجاهل ورأى إصرار موسى عليه السّلام على ذكر الصفات وهو يطلب الجواب عن الذات ، فقال منهمكا في جهله ومتهكّما في قوله :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
« 1 » ! فإنّي أسأله ب « ما هو » ؟ فيجيبني بما يقع جوابا ل « أيّ » . فأبلغ عليه السّلام في جوابه متّبعا للأمر الإلهيّ باللّين في خطابه
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
« 2 » . إنّ حقيقته غير ممكنة المعلوميّة « 3 » ، لأنّ تجرّدها وبساطتها يمنعان من إمكان تحديدها . الرابعة : المعلوم لنا في هذا المقام من معرفة الذات ليس إلّا أنّها موجودة ، ومن الصفات ليس إلّا السلوب ككونه ليس بجسم ولا عرض ، والإضافات ككونه قادرا وعالما ، والإضافات والسلب ككونه موجدا للعالم لا سواه . ومع ذلك فنحن نخشى أن نثبت له بذلك صفة حقيقيّة تزيد على ذاته ؛ فإنّ ذلك مناف لكماله ، وإلّا لكان مفتقرا إلى تلك الصفة بل كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثنّاه ومن ثنّاه فقد جزّأه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . قال : ومن أراد الارتقاء عن هذا المقام ، ينبغي أن يحقّق « 4 » أنّ وراءه شيئا هو أعلى من هذا المرام ، فلا يقصر همّته على ما أدركه ، ولا يشغل عقله الذي ملكه بمعرفة الكثرة التي هي أمارة العدم ، ولا يقف عند زخارفها التي هي مزلّة القدم ، بل يقطع عن نفسه العلائق البدنيّة ، ويزيل عن خاطره الموانع الدنيويّة ، ويضعف حواسّه وقواه ، التي بها يدرك الأمور الفانية ، ويحبس بالرياضة نفسه الأمّارة بالسوء التي تثير التخيّلات الواهية ، ويوجّه همّته بكلّيّتها إلى عالم القدس ، ويقصر أمنيّته على نيل محلّ الرّوح والانس .

[ طريق الأولياء في معرفة اللّه تعالى « السلوك » ]

أقول : لمّا ذكر معرفة اللّه تعالى والطريق إليها على قاعدة أهل البحث والنظر ، الذين
هامش
( 1 ) - الشعراء / 27 . ( 2 ) - الشعراء / 28 . ( 3 ) - « م » بزيادة : لأحد . ( 4 ) - « خ » والفصول النصيريّة : يتحقّق .
الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 102 | المقداد السيوري