تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤

[ النيّة ]

الثالث : النيّة . وهي القصد ، وذلك واسطة بين العلم والعمل ؛ لأنّه إذا لم يعلم علما ثابتا بترجيح أمر لم يقصد فعله . وإذا لم يقصد فعله لم يقع ، فيكون قصد مقصد معيّن مبدأ للسير والسلوك . وإذا كان المقصد حصول الكمال من الكامل المطلق ينبغي اشتمال النيّة على طلب القرب إلى الحقّ تعالى ؛ إذ هو الكامل المطلق . وإذا كان كذلك كانت وحدها خيرا من العمل وحده ، كما جاء في الخبر : « نيّة المؤمن خير من عمله » « 1 » . فإنّها بمنزلة
هامش
( 1 ) - الأصول من الكافي 2 : 84 / الحديث 2 ، الوسائل 1 : 35 الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 3 ، المحاسن : 260 / الحديث 315 . وفيه : « نيّة المرء خير من عمله ، ونيّة الفاجر شرّ من عمله ، وكلّ عامل يعمل بنيّته » . يبدو في بادئ النظر أنّ الحديث يحتاج إلى توضيح وبيان ، ولقد أجاد المصنّف في « نضد القواعد » في توضيحه ، فقال : العشرون : روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّ : « نيّة المؤمن خير من عمله » . وربّما روي : « ونيّة الكافر شرّ من عمله » . فورد سؤالان : أحدهما : أنّه روي أنّ : « أفضل العبادة أحمزها » . ( رواها المحقّق في « معارج الأصول » المخطوط ، ورقة : 35 ، كما في هامش « القواعد والفوائد » 1 : 108 ، وفي « النهاية » لابن الأثير 1 : 440 ، وفيه : سئل رسول اللّه صلى الله عليه وآله : أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال : « أحمزها » ) . ولا ريب أنّ العمل أحمز من النيّة ، فكيف يكون مفضولا ؟ وروي أيضا : « إنّ المؤمن إذا همّ بحسنة كتبت بواحدة ، وإذا فعلها كتبت عشرا » . ( الأصول من الكافي 2 : 428 / الحديث 1 ، 2 ، الوسائل 1 : 36 الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 6 ، 7 ، 8 ، بتفاوت يسير في اللفظ فيهما ) . وهذا صريح في أنّ العمل أفضل من النيّة وخير . السؤال الثاني : أنّه روي : أنّ النيّة المجرّدة لا عقاب فيها . ( الأصول من الكافي 2 : 428 / الحديث 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، الوسائل 1 : 36 الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 20 ) فكيف يكون شرّا من العمل ؟ وأجيب بوجوه : الأوّل : أنّ النيّة يمكن فيها الدوام بخلاف العمل ؛ فإنّه يتعطّل عنه المكلّف أحيانا . فإذا نسبت هذه النيّة الدائمة إلى العمل المنقطع كانت خيرا منه ، وكذا نقول في نيّة الكافر . الثاني : أنّ النيّة لا يكاد يدخلها الرياء ولا العجب ؛ لأنّا نتكلّم على تقدير النيّة المعتبرة شرعا ، بخلاف العمل فإنّه يعرضه ذينك . ويرد على هذا أنّ العمل وإن كان معرضا لهما ، إلّا أنّ المراد به العمل الخالي عنهما ، وإلّا لم يقع تفضيل . الثالث : أنّ المؤمن يراد به الخاصّ ، أي المؤمن المغمور بمعاشرة أهل الخلاف ، فإنّ غالب أفعاله جارية على التقيّة ومداراة أهل الباطل . وهذه الأفعال المفعولة تقيّة ، منها ما يقطع فيه بالثواب كالعبادات الواجبة ، ومنها ما لا ثواب فيه ولا عقاب كالباقي . وأمّا نيّته فإنّها خالية عن التقيّة ، وهو وإن أظهر موافقتهم بأركانه ونطق بها بلسانه ، إلّا أنّه غير معتقد لها بجنانه ، بل آب عنها ونافر منها . وإلى هذا الإشارة بقول أبي عبد اللّه عليه السّلام وقد سأله أبو عمر والشاميّ عن الغزو مع غير الإمام العادل : « إنّ اللّه يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة » . ( المحاسن : 262 / الحديث 325 ، الوسائل 1 : 34 الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 5 ) . وروي مرفوعا عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله ، ( مسند أحمد 2 : 392 ) .