تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
أصل الدين ؛ ولذلك صار علم الكلام أشرف العلوم ؛ لأنّ كلّ ما كان موضوعه أشرف فهو أشرف . ألا ترى أنّ علم الجوهر أشرف من علم الدّباغة وصنعة النعال ؟ وذلك ظاهر . الثالثة : أنّ معرفة حقيقة ذاته المقدّسة ، على ما هي عليه ، غير مقدورة للأنام ؛ وذلك لأنّ العلم إمّا ضروريّ أو كسبيّ وكلاهما هنا منفيّ . أمّا الضروريّ فظاهر ، خصوصا وقد وقع فيها النزاع والتشاجر ومع ذلك فإنّ المعلوم ضرورة إمّا بمجرّد توجّه العقل إليه أو بأدنى تنبيه وهما منفيّان هنا ، أو بمشاركة حسّ ظاهر أو باطن بتكرار أولا ، وذلك أيضا منفيّ هنا ؛ لكونه غير محسوس . وأمّا الثاني ، فلأنّ كلّ كسبيّ لا بدّ له من كاسب ، وهو في باب التصوّرات التعريف بالحدّ أو الرسم ، وهما أيضا منفيّان . أمّا الحدّ ، فلأنّ تامّه يكون بالجنس والفصل القريبين ، المستلزم لتركّب الماهيّة ، المستحيل ذلك على الذات المقدّسة . وكذا ناقصه إذ لا بدّ فيه من الجنس ، ولا جنس له ، فلا حدّ له . وأمّا الرسم بقسميه ، فلأنّه تعريف بالخارج ، وظاهر أنّه لا يفيد الاطّلاع على الحقيقة . ولأجل هذا الامتناع صرّح صاحب شريعتنا صلى اللّه عليه وآله بقوله : « يا من لا يعلم ما هو إلّا هو » « 1 » . والكليم عليه السّلام لمّا سأله فرعون عن الذات بإيراد ما في السؤال بقوله :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
« 2 » ، أجاب بالصفات تنبيها له على استحالة ذلك ، وإنّه غالط في قوله أو مغالط فقال :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
« 3 » . فاستوخم الجواب ورجع إلى إنظاره في جهله فقال :
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
« 4 » ؟ ! أسأله عن الحقيقة فيجيبني بالصفات ! فعاد الكليم إلى جوابه بما هو أظهر دلالة على وجود الربّ فقال :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
« 5 » . أي منشئكم وموجدكم ؛ فإنّ ذلك أظهر عندهم من كونه موجدا لجملة هذا
هامش
( 1 ) - ينظر : البحار 95 : 394 ، دعاء المشلول . ( 2 ) - الشعراء / 23 . ( 3 ) - الشعراء / 24 . ( 4 ) - الشعراء / 25 . ( 5 ) - الشعراء / 26 .