منها : ان الذين يقرءون القرآن وهذه السورة في الصلاة وغيرها المؤمنون والمسلمون المهتدون ، فما معنى طلب الهداية من اللّه تعالى بعد ذلك ، وهي حاصلة لهم ؟ وقد أجاب عنه العلماء بأجوبة ذكرها الامام في تفسيره .
حيث قال : والعلماء أجابوا عنه من وجوه :
الأول : ما ذكره من أن المراد منه صراط الأولين في تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضات اللّه تعالى ، يحكى أن نوحا عليه السّلام كان يضرب في كل قوم كذا مرات بحيث يغشى عليه ، وكان يقول في كل مرة : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون .
فان قيل : ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما قال ذلك الا مرة واحدة ، وهو كان يقول كل يوم مرة « 1 » ، فلزم أن يقول : ان نوحا كان أفضل منه عليهما الصلاة والسّلام .
والجواب : لما كان المراد من قوله
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
طلب تلك الفضيلة من اللّه تعالى ، والرسول صلّى اللّه عليه وآله كان يقرأ فاتحة الكتاب في كل يوم كذا مرة كان يكلم الرسول بهذه الكلمة أكثر من تكلم نوح عليه السّلام بها .
أقول : حاصل هذا الجواب طلب قوة التحمل على المشاق لأجل مرضات اللّه ، وجوابه عن السؤال انما يصح لو كان مراد الرسول صلّى اللّه عليه وآله من الضمير في اهدنا قومه وأمته ، أو ما يعمهم ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى .
الثاني : ان أكثر العلماء بينوا أن في كل خلق من الاخلاق طرفي افراط وتفريط ، وهما مذمومان ، والحق هو الوسط ، ويتأكد ذلك بقوله تعالى
« وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً »
« 2 » وذلك الوسط هو العدل والصواب ، والمؤمن بعد أن عرف اللّه تعالى بالدليل صار مؤمنا مهتديا .
هامش
( 1 ) في المصدر : مرات .
( 2 ) سورة البقرة : 143 .