مثاله أن يصير بحيث لو امر بذبح ولده لاطاع ، كما فعل إبراهيم عليه السّلام ، ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لاطاع ، كما فعله إسماعيل عليه السّلام ، ولو أمر بأن يلقى نفسه في البحر لاطاع ، كما فعل يونس عليه السّلام ، ولو أمر بأن يتلمذ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب إلى أعلى الغايات لاطاع ، كما فعله موسى عليه السّلام مع الخضر عليه السّلام ، ولو أمر بأن يصبر على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على القتل والتعريف بنصفين لاطاع ، كما فعله يحيى عليه السّلام .
فالمراد بقوله
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
هو الاقتداء بأنبياء اللّه في الصبر على الشدائد والثبات عند نزول البلاء ، ولا شك أن هذا مقام شديد هائل لان أكثر الخلق لا طاقة لهم به .
الا أنا نقول : أيها الناس لا تخافوا ولا تحزنوا ، فلا يضيق أمر في دين اللّه الا اتسع ، لان في هذه الآية ما يدل على اليسر والسهولة ، لأنه تعالى لم يقل صراط الذين ضربوا وقتلوا ، بل قال : أنعمت عليهم .
فليكن نيتك على قراءة هذه الآية أن تقول : يا إلهي ان والدي رأيته ارتكب الكبائر كما ارتكبتها ، وأقدم على المعاصي كما أقدمت عليها ، ثم رأيته لما قرب موته تاب وأناب ، فحكمت له بالنجاة من النار والفوز بالجنة فهو ممن أنعمت عليه بأن وفقته للتوبة ، ثم أنعمت عليه بأن قبلت توبته .
فانا أقول : اهدنا إلى مثل ذلك الصراط المستقيم طلبا منه لمرتبة التائبين ، فإذا وجدتها أي النية المذكورة فاطلب الاقتداء بدرجات الأنبياء عليهم السّلام ، فهذا تفسير قوله تعالى
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » .
أقول : وحاصل صدر الجواب أن يكون المراد طلب اقبال قلبه بكليته إلى اللّه تعالى ، حتى يكون معرضا عما سوى اللّه ، وينبغي أن يكون مثاله ما يوافق هذا المعنى ، لا ما ذكره من الصبر على الشدائد ، الا أنه لما ذكر المثال كما ذكره