في هذه الدّنيا ، لا يتمّ إلّا بالإجبار والقهر والغلبة ؛ لاختلاف طبائع النّاس وهممهم « 1 » في أديانهم وأمور « 2 » دنياهم . فلذلك أجبروا النّاس على قبول ظاهر شرائعهم التي تدلّ على المعاني اللّطيفة ، وأسّسوا الدّين على قبول الظّاهر والباطن ، ليكون في قبولهم « 3 » ظاهر شرائعهم ، وقبولهم الحدود « 4 » التي سنّوا فيها ، قوام أمورهم في دنياهم ، وحقن دمائهم ، وتحصين أموالهم ، وذراريهم ، ومنعهم الفتنة من التعدّى والفساد في الأرض والبغى والهرج ، ويكون فيه صلاح أحوالهم ؛ إذ كان فيهم العالم والجاهل ، والصالح والطّالح « 5 » ، والورع والمنتهك « 6 » ، والعاقل والغبىّ على اختلاف طبائعهم وتفاوت طبقاتهم . فلذلك ، أمرهم اللّه عزّ وجلّ ، أن يلزموا النّاس قبول ظاهر رسومهم وحدودهم بالقهر والاجبار ؛ كما قال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه محمّد ( ص ) :
« وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدّين « 7 » كلّه للّه » . فأمره بقتالهم حتّى قبلوا ما جاء به . فلما أقام فيهم السّنن والاحكام الظّاهرة ، أمره أن يفوّض إليهم « 8 » أمر دينهم ، فقال :
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
« 9 »
»
، وقال تعالى « 10 » :
« اللَّهُ وَلِيُّ
« 11 »
الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ
« 12 »
إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ »
.
فأمره في آية أن يقاتلهم ويكرههم على قبول ما أتى به ، وأمره في آية أن « 13 »
هامش
( 1 ) - هممهم : هممA( 2 ) أمور : امرB( 3 ) - قبولهم : قلوبهمC( 4 ) الحدود : المحدودA( 5 ) - الصالح والطالح : الطالح والصالحA( 6 ) المنتهك : المنهكAB( 7 ) - الدين : الذينA( 8 ) - إليهم : -B( 9 ) - الوثقى : + لانفضام لهاB( 10 ) تعالى : -AC -( 11 ) - ولى : + اللّهA( 12 ) - الظلمات : + فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدونC( 13 ) - يقاتلهم . . . ان : -B