تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
الذي ينفخ في النار جمرا ، وهو القتول الذي خلق لإهلاك المشركين وحصل لها السعة بواسطة هذا النبيّ ، وما حصل لغيرها من المعابد في الدنيا ، إذ لا يوجد في الدنيا معبد مثل الكعبة من ظهور محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى هذا الحين . والتعظيم الذي يحصل لها من القرابين في كل سنة من مدة ألف ومائتين وثمانين لم يحصل لبيت المقدس إلا مرتين ، مرة في عهد سليمان عليه السلام ، لما فرغ من بنائه ، ومرة في السنة الثامنة عشر من سلطنة يوشيا . ويبقى هذا التعظيم لمكة إلى آخر الدهر إن شاء اللّه ، كما وعد اللّه بقوله لا تخافي لأنك لا تخزين ولا تخجلين لأنك لا تستحين ، وبقوله برحمات عظيمة أجمعك وبالرحمة الأبدية رحمتك ، وبقوله حلفت أن لا أغضب عليك وأن لا أوبّخك ، وبقوله رحمتي لا تزول عنك وعهد سلامي لا يتحرك . وملك زرعها شرقا وغربا ، وورثوا الأمم وعمروا المدن في مدة قليلة لا تتجاوز اثنين وعشرين سنة من الهجرة . ومثل هذه الغلبة في مثل هذه المدة القليلة لم يسمع من عهد آدم عليه السلام إلى زمان محمد صلى اللّه عليه وسلم لمن يدّعي الدين الجديد . وهذا مفاد قول اللّه وزرعك يرث الأمم ويعمر المدن الخربة . سلاطين الإسلام سلفا وخلفا اجتهدوا اجتهادا تاما في بناء الكعبة والمسجد الحرام وتزيينهما وحفر الآبار والبرك والعيون في مكة ونواحيها ، ومن المدة الممتدة هذه الخدمة الجليلة متعلقة بسلاطين آل عثمان غفر اللّه لأسلافهم ورضي اللّه عنهم . وزاد اللّه إقبال أخلافهم ووسع مملكتهم في الجهات ، ووفقهم للعدل والحسنات ، فهم خدموا ويخدمون الحرمين المعظمين أدام اللّه شرفهما من هذه المدة إلى هذا الحين ، كما هي حتى صار لقب خادم الحرمين الشريفين عندهم أشرف الألقاب وأعزها ، والغرباء يحبون مجاورتها من ظهور الإسلام إلى هذا الحين ، سيما في هذا الزمان وألوف من الناس يصلون إليها في كل سنة من أقاليم مختلفة وديار بعيدة . ووفى بما وعد بقوله كل إناء مجبول بضدك لا ينجح ، لأن كل شخص من المخالف قام بضدها أذلّة اللّه ، كما وقع بأصحاب الفيل . روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم لما ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بني كنيسة بصنعاء وسماها القليس ، وأراد أن يصرف إليها الحاج وحلف أن يهدم الكعبة . فخرج بالحبشة ومعه فيل له اسمه محمود ، وكان قويا عظيما وأفيال أخرى . فخرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع ، فأبى وعبأ جيشه وقدم الفيل . فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح ، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول . فأرسل اللّه طيرا مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة ، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره ، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه . ففروا وهلكوا في كل طريق ومنهل ، ودوى أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ، وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة ، فلما أتمها وقع عليه الحجر
إظهار الحق — صفحة 439 | رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي