- المنهج الأول اعتمده في مخاطبة الجمهور وعامة طلاب الحكمة ، راعى فيه الأعراف السائدة ولم يشق عصا الطاعة للجمهور .
- المنهج الثاني توجه من خلاله للخاصة الذين يتسنى لهم فهم الأمور على حقائقها .
يثبت ذلك أمام تصاريح عدة ، أوردها ابن سينا في معظم كتبه .
ففي مقدمة كتابه « منطق المشرقيين » يقول :
« وبعد فقد نزعت الهمة بنا إلى أن نجمع كلاما فيما اختلف أهل البحث فيه . لا نلتفت فيه لفت عصبية أو هوى ، أو عادة أو إلف ، ولا نبالي من مفارقة تظهر منا لما ألفه متعلمو كتب اليونانيين ألفا عن غفلة وقلة فهم ، ولما سمع منا في كتب ألفناها للعاميين من المتفلسفة ، المشغوفين بالمشائين الظانين أن اللّه لم يهد الا إياهم ، ولم ينل رحمته سواهم ، مع اعتراف ما بفضل سلفهم في تنبهه لما نام عنه ذووه واستاذوه وفي تمييزه أقسام العلوم بعضها عن بعض ، وفي ترتيبه العلوم خيرا مما رتبوه ، وفي إدراكه الحق في كثير من الأشياء وفي تفطنه لأول صحيحة سرية في أكثر العلوم ، وفي اطلاعه الناس على ما بينها فيه السلف وأهل بلاده ، وذلك أقصى ما يقدر عليه انسان يكون أول من مد يديه إلى تمييز مخلوط ، وتهذيب مفسد ، ويحق على من بعده أن يلموا شعثه ، ويرموا ثلما يجدونه فيما بناه ، ويفرعوا أصولا أعطاها ، فما قدر من بعده على أن يفرغ نفسه عن عهدة ما ورثه منه ، وذهب عمره في تفهم ما أحسن فيه والتعصب لبعض ما فرط من تقصيره ، فهو مشغول عمره بما سلف ، ليس له مهلة يراجع فيها عقله ، ولو وجدها ما استحل أن يضع ما قاله الأولون موضع المفتقر إلى مزيد عليه أو اصلاح له أو تنقيح إياه .
وأما نحن فسهل علينا التفهم لما قالوا أول ما اشتغلنا به ، ولا يبعد أن يكون قد وقع الينا من غير جهة اليونانيين علوم ، وكان الزمان الذي اشتغلنا فيه بذلك
الأضحوية في المعاد — صفحة 56
مساهمون: أبو علي سينا
ص٥٦