14 - لكن الضرورات البدنية جاذبة إليها
ولا يمكن سلب جميع هذه الصفات عن النفس ومحوها بالكلية فان الضرورات البدنية جاذبة إليها ، الا انه يمكن تضعيف تلك العلاقة ولذلك قال تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
* . الا أنه إذا ضعفت العلاقة لم تشتد نكاية فراقها وعظم الالتذاذ بما اطلع عليه عند الموت من الأمور الإلهية فأماط أثر مفارقة الدنيا والنزوع إليها على قرب ، كمن يستنهض من وطنه إلى منصب عظيم وملك مرتفع فقد ترق نفسه حالة الفراق على أهله ووطنه فيتأذى أذى ما ولكن ينمحى بما يستأنفه من لذة الابتهاج بالملك والرئاسة .
15 - ولذلك ورد الشرع بالتوسط في الأخلاق
وإذا لم يمكن سلب هذه الصفات ورد الشرع في الأخلاق بالتوسط بين كل طرفين متقابلين لأن الماء الفاتر لا حار ولا بارد فكأنه بعيد عن الصفتين فلا ينبغي أن يبالغ في امساك المال فيستحكم فيه حرص المال ولا في الانفاق فيكون مبذرا ولا أن يكون ممتنعا عن كل الأمور فيكون جبانا ولا منهمكا في كل أمر فيكون متهورا ، بل يطلب الجود فإنه الوسط بين البخل والتبذير والشجاعة فإنها الوسط بين الجبن والتهور وكذلك في جميع الأخلاق ، وعلم الأخلاق طويل والشريعة بالغت في تفصيلها ولا سبيل في تهذيب الأخلاق الا بمراعاة قانون الشرع في العمل حتى لا يتبع الانسان هواه فيكون قد اتخذ إلهه هواه بل يقلد الشرع فيقدم ويحجم بإشارته لا باختياره فتتهذب به أخلاقه .