عن الشبهة الثالثة أيضا ، لأنّ الترك لكون المتروك محالا ليس تعطيلا عن الجود ولا منافيا لكونه تعالى جوادا .
وقوله : « مع أنّه خطابيّ » ، أي هذا الدليل - أعني الشبهة الثالثة - خطابيّ ، لأنّه مؤلّف من القضايا المشهورة ، فإنّ الخطابة قياس مؤلّف من المشهورات ، أو المظنونات ، أو المقبولات ، إذ كونه تعالى جوادا لا يترك الجود مدة غير متناهية من القضايا المشهورة المقبولة وقد أجاب المتكلّمون عن الشبهة الأولى إلى آخره » .
المتكلّمون أجابوا عن الشبهة الأولى بغير ما أجاب به المصنّف وذلك أنّهم قالوا : لا نسلّم أنّه يلزم من قدم المؤثّر التامّ قدم الأثر وإنّما يلزم ذلك إن لو كان ذلك المؤثّر موجبا ، أمّا إذا كان مختارا فلا والترجيح من غير مرجّح جائز ، كما في الجائع إذا حضره رغيفان متساويان ، فإنّه يتناول أحدهما لا لمرجّح وكذا العطشان إذا حضره إناءان متساويان والهارب من السبع أو العدو إذا عرض له طريقان متساويان ، فإنّه يرجّح أحدهما من غير مرجّح ، سلّمنا أنّه لا بدّ من مرجّح ، لكن يجوز أن يكون المرجّح هو إرادته تعالى الأزلية ، إذ علمه تعالى بإيقاعه في وقت وقوعه أو اختصاص إيجاده في وقته المعيّن دون ما قبله وما بعده لمصلحة لا تصل « 1 » عقولنا إلى العلم بها .
قوله : « وأيضا فطلب التخصيص إنّما يتوجّه لو أمكن غيره وإيجاد العالم قبل « 2 » وجوده محال ، إذ لا قبل هناك وبالجملة الأوقات التي يطلب فيها التخصيص معدومة ولا تمايز بينها إلّا في الوهم ، وأحكام الوهم في أمثال ذلك غير مقبولة ، إنّما يبتدى وجود الزمان مع أوّل وجود العالم ولا يمكن وقوع ابتداء سائر الموجودات قبل وجود الزمان أصلا » وهذا صورة كلام المحقّق « 3 » رحمه الله .
وحاصله أنّ طلب التخصيص إنّما يصحّ إن لو كان هنالك أوقات موجودة « 4 » متمايزة وليس كذلك .
فإن قيل : إيجاد العالم لا في وقت ولا في زمان أصلا [ 37 آ ] ، فابتداء وجود الزمان مع أوّل
هامش
( 1 ) الأصل : لا تصلح ، الف : لا تصل .
( 2 ) كلمة " قبل " مفقودة في نسخة الف .
( 3 ) في الف وب : المحقق ، في الأصل : المصنف .
( 4 ) كلمة موجودة مفقودة في الأصل .