ناقصة ، إنما حدّه أن يحذر عن شيء تأذّى به مرة وما لم يتأذّ بشيء فلا يدري أنه يحذر منه . وما دام في المنزل الثالث - وهو الموهومات - فهو بهيمة كاملة كالفرس مثلا ؛ فإنه قد يحذر من الأسد إذا رآه أولا ، وإن لم يتأذّ به قط ، فلا يكون حذره موقوفا على أن يتأذى به مرة ؛ بل الشاة ترى الذئب أولا فتحذره ، وترى الجمل والبقر وهما أعظم منه شكلا وأهول منه صورة ولا تحذرهما ، إذ ليس من طبعهما إيذاء . وهؤلاء إلى الآن تشاركهم البهائم ، فبعد هذا يترقى الإنسان إلى عالم الإنسانية فيدرك أشياء لا تدخل في حس ولا تخيل ولا وهم ، ويحذر به الأمور المستقبلة ، ولا يقتصر حذره على العاجلة اقتصار حذر الشاة على ما يشاهده في الحال من الذئب ؛ ومن هاهنا يصير إلى حقيقة الإنسانية ، الحقيقة هي الروح المنسوبة إلى اللّه تعالى في قوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ، ص : 72 ] . وفي هذا العالم يفتح له باب الملكوت فيشاهد الأرواح المجردة عن كسوة التلبيس ، وغشاوة الأشكال . وهذا العالم لا نهاية له .
أما عوالم المحسوسات والمتخيلات والموهومات فمتناهية ، لأنها مجاورة للأجسام وملتصقة بها ؛ والأجسام لا يتصور أن تكون غير متناهية . والسير في هذا العالم مثاله المشي إلى الخيال على الماء ، ثم يترقى منه إلى المشي في الهواء ؛ ولذلك لما قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن عيسى - صلوات اللّه عليه وسلامه - مشى على الماء ، فقال - عليه السلام : « نعم ولو ازداد يقينا لمشى في الهواء » . وأما التردد على المحسوسات ، فهو كالمشي على الأرض ، وبينها وبين الماء عالم يجري مجرى السفينة ، وفيها يتولد درجات الشياطين ، حتى يجاوز الإنسان عوالم البهائم ، فينتهي إلى عالم الشياطين ؛ ومنه يسافر إلى عالم الملائكة ، وقد ينزل فيه ويستقر ، وشرح ذلك يطول . وهذه العوالم كلها منازل الهدى ، ولكن الهدى المنسوب إلى اللّه تعالى يوجد في هذا العوالم الرابع ، وهو عالم الأرواح ، وهو قوله تعالى :
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
[ آل عمران : 73 ] . ومقام كلّ إنسان ومحله ومنزله في العلوّ والسّفل بقدر إدراكه ، وهو معنى قول علي - رضي اللّه عنه - : « الناس أبناء ما يحسنون » . فالإنسان بين أن يكون دودا أو حمارا أو فرسا أو شيطانا ، ثم يجاوز ذلك فيصير ملكا .
وللملائكة درجات ، فمنهم الأرضية ، ومنهم السماوية ، ومنهم المقرّبون المترفعون عن الالتفات إلى السماء والأرض ، القاصرون على جمال الحضرة الربوبية ،