[ فصل فهل يتمثل التنين تمثلا يشاهده مشاهدة تضاهي إدراك البصر ]
فإن قلت : فهل يتمثل هذا التنين تمثلا تشاهده مشاهدة تضاهي إدراك البصر ، أم هو تألم محض في ذاته كتألم العاشق إذا حيل بينه وبين معشوقه ؟
فأقول : لا بل يتمثل لك حتى تشاهده ، ولكن تمثلا روحانيا لا على وجه يدركه من هو بعد في عالم الشهادة إذا نظر في قبره ، فإن ذلك من عالم الملكوت . نعم ، العاشق أيضا قد ينام فيتمثل له حاله في المنام ، فربما يرى حية تلدغ صميم فؤاده . لأنه بعد بالنوم من عالم الشهادة قليلا ، فيتمثل له حقائق الأشياء تمثلا محاكيا للحقيقة ، منكمشا له من عالم الملكوت ، والموت أبلغ في الكشف من النوم ، لأنه أقمع لنوازع الحس والخيال ، وأبلغ في تجريد الروح عن غشاوة هذا العالم . فلذلك يكون ذلك التمثل تامّا متحققا دائما لا يزول ، فإنه نوم لا ينتبه منه إلا يوم القيامة :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ ق : 22 ] . واعلم أن المتيقظ بجنب النائم إن كان لا يشاهد الحية التي تلدغ النائم ، فذلك غير مانع من وجود الحية في حقه ، وحصول الألم به ؛ فكذلك حال الميت في القبر .
[ فصل أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة ]
لعلك تقول : قد أبدعت قولا مخالفا للمشهور ، منكرا عند الجمهور ، إذ زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة إدراكا مجاوزا حدّ تقليد الشّرائع ، فهل يمكنك - إن كان كذلك - حصر أصناف العذاب وتفاصيله ؟
فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكره ، وكيف تنكر مخالفة المسافر للجمهور ! فإن الجمهور يستقرون في البلد الذي هو مسقط رؤوسهم ومحل ولادتهم ، وهو المنزل الأول من منازل وجودهم ، وإنما يسافر منهم الآحاد . واعلم أن البلد منزل البدن والقال ؛ وإنما منزل الروح الإنساني عوالم الإدراكات ، والمحسوسات منزله الأول ، والمتخيّلات منزله الثاني ، والموهومات منزله الثالث . وما دام الإنسان في المنزل الأول فهو دود وفراش ؛ فإن فراش النار ليس له إلا الإحساس ، ولو كان له تخيل وحفظ للمتخيّل بعد الإحساس لما تهافت على النار مرة بعد أخرى ، وقد تأذى بها أولا ، فإن الطير وسائر الحيوان إذا تأذى في موضع بالضرب يفرّ منه ولم يعاوده لأنه بلغ المنزل الثاني ، وهو حفظ المتخيّلات بعد غيبوبتها عن الحس . وما دام الإنسان في المنزل الثاني بعد فهو بهيمة