والبغضاء . وأصل ذلك معلوم بالبصيرة ، وكذلك كثرة رءوسه اللداغة ؛ أما انحصار عددها في تسعة وتسعين ، إنما يوقف عليه بنور النبوة فقط . فهذا التنين متمكن في صميم فؤاد الكافر ، لا بمجرّد جهله بالكفر ، بل لما يدعو إليه الكفر ، كما قال اللّه تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
[ النحل : 107 ] . وقال اللّه تعالى :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها . . .
[ الأحقاف : 20 ] الآية . وهذا التنين لو كان كما تظنه خارجا من ذات الميت ، لكان أهون ، إذ ربما يتصور أن ينحرف عنه التنين أو ينحرف هو عنه ، لا بل هو متمكن من صميم فؤاده ، تلدغه التنين لدغا أعظم مما تفهمه من لدغ التنين ، وهو بعينه صفاته التي كانت معه في حياته كما أن التنين التي تلدغ قلب العاشق إذا باع جاريته ، هو بعينه الذي كان مستكنّا في قلبه استكنان النار في الحجر وهو غافل عنه . فقد انقلب ما كان سبب لذّته سبب ألمه ، وهذا سرّ قوله عليه السلام :
« إنما هي أعمالكم ترد عليكم » ، وقوله تعالى :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
[ آل عمران : 30 ] ، بل سر قوله تعالى :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
[ التكاثر : 5 ، 6 ] ، أي أن الجحيم في باطنكم فاطلبوها بعلم اليقين ، لترونّها قبل أن تدركوها بعين اليقين ؛ بل هو سر قوله تعالى :
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
[ العنكبوت : 54 ] ؛ ولم يقل إنها ستحيط ؛ بل قال : هي محيطة ؛ وقوله تعالى :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
[ الكهف : 29 ] ، ولم يقل يحيط بهم ، وهو معنى قول من قال : إن الجنة والنار مخلوقتان . وقد أنطق اللّه لسانه بالحق ، ولعله لا يطلع على سر ما يقوله ، فإن لم تفهم بعض معاني القرآن كذلك ، فليس لك نصيب من القرآن إلا في قشوره ، كما ليس للبهيمة نصيب من البر « 1 » إلا في قشوره الذي هو التّبن . والقرآن غذاء الخلق كلهم على اختلاف أصنافهم ، ولكن اغتذاؤهم به على قدر درجاتهم ؛ وفي كل غذاء مخّ ونخالة وتبن ؛ وحرص الحمار على التبن أشد منه من الخبز المتخذ من اللّب . وأنت شديد الحرص على أن لا تفارق درجة البهيمة ، ولا تترقى إلى رتبة الإنسانية ، بل إلى الملكية ، فدونك والانسراح في رياض القرآن ، ففيه متاع لكم ولأنعامكم .
هامش
( 1 ) البر : القمح والحنطة .