تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
169 ، 170 ] الآية . هذا في السعداء ؛ وأما في الأشقياء فقد ناداهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر لما قتلوا ، فكان يقول : « يا فلان يا فلان - يذكر واحدا واحدا من صناديدهم - فقد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا » ؟ فقيل يا رسول اللّه أتناديهم وهم أموات ؟ فقال عليه السلام : « والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لكلامي منهم ، لكنهم لا يقدرون على الجواب » . وقال عليه السلام : « الموت هو القيامة ، ومن مات فقد قامت قيامته » وأراد بهذه القيامة الصغرى ، والقيامة الكبرى تكون بعده . وشرح قيامة الصغرى إن أردته فاطلبه من كتاب الصبر من كتب الإحياء . والأخبار في الدلالة على بقاء أرواح الموتى وشعورهم مما يجري في هذا العالم أيضا كثيرة .

[ فصل في إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات ، صحيح ]

أما قولك : إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات ، فهذا صحيح ، وهو كذلك ؛ ولكني أراك عاجزا عن فهمه ودرك سره وحقيقته ، إلا أني أنبّهك على أنموذج منه تشويقا لك إلى معرفة الحقائق ، والتشمر للاستعداد لأمر الآخرة ، فإنه نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ؛ فقد قال عليه السلام : « المؤمن في قبره في روضة خضراء قد فرّج له قبره سبعين ذراعا ، ويضيء وجهه حتى يكون كالقمر ليلة البدر ، هل تدرون في ما ذا أنزلت
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ؟
قالوا : اللّه ورسوله أعلم : قال : عذاب الكافر في قبره ، يسلّط عليه تسعة وتسعون تنّينا ، هل تدرون ما التّنين ؟ تسع وتسعون حية ، لكل حية تسعة رؤوس ينهشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون » . فانظر إلى هذا الحديث ، واعلم أن هذا حق على الوجه الذي شاهده أرباب البصائر ببصيرة أوضح من البصر الظاهر . والجاهل ينكره إذ يقول : إني أنظر في قبره فلا أرى ذلك أصلا . فليعلم الجاهل أن هذا التنين ليس خارجا عن ذات الميت ، أعني ذات روحه لا ذات جسده ، فإن الروح هي التي تتألم وتتنعم ، بل كان معه قبل موته متمكنا من باطنه ، لكنه لم يكن يحس بلدغه لخدر كان فيه لغلبة الشهوات فأحس بلدغه بعد الموت . وليتحقق أن هذا التنين مركب من صفاته وعدد رءوسه بقدر عدد أخلاقه الذميمة ، وشهواته لمتاع الدنيا . وأصل هذا التنين حبّ الدنيا ، وتتشعب عنه رؤوس بعدد ما يتشعب عن حب الدنيا من الحسد والحقد والرياء والكبر والثروة والمكر والخداع وحب الجاه والمال والعداوة
الأربعين في اصول الدين — صفحة 169 | الغزالي