الجنة : « إن لهم فيها ما يشتهون » « 1 » . وأجمع العبارات لعذاب الآخرة قوله :
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
[ سبأ : 54 ] . ولا ملذ إلا الشهوة ، ولكن عند مصادمة المشتهى ، ولا مؤلم إلا الشهوة ، ولكن عند مفارقة المشتهى . ولا ينبغي أن تغتر الآن وتقول : إن كان هذا سبب عذاب القبر فأنا في أمان منه ، إذ لا علاقة بين قلبي وبين متاع الدنيا ؛ فإن هذا لا تدركه بالحقيقة ما لم تطرح الدنيا وتخرج عنها بالكلية ، فكم من رجل باع جارية على ظن أنه لا علاقة بينه وبينها ، فلما أخذها المشتري اشتعل في قلبه من نيران الفراق ، واحترق بها احتراقا ، وربما ألقى نفسه في الماء والنار ليقتل نفسه ويتخلص منها . فكذلك يكون حالك في القبر في كل ما يتعلق به قلبك من الدنيا ؛ ولذلك قال المصطفى عليه السلام : « أحبب ما أحببت فإنك مفارقه » . ووراء هذا عذاب أعظم منه ، وهو حسرة الحرمان عن القرب من اللّه تعالى ، والنظر إلى وجهه الكريم .
وينكشف بالموت عظم قدر ما فات منه ، وإن كان لا يعظم قدره عندك قبل الموت ؛ لأن الموت سبب الانكشاف ، ما لم تكن المكاشفة قبله ، كما أن النوم سبب انكشاف الغيب بمثال أو غير مثال . والنوم أخ الموت ، ولكنه دونه يكبر . فهذان عذابان يتضاعفان على كل ميت كأن غير اللّه تعالى أحب إليه من اللّه تعالى ؛ وكأن أنسه بغير اللّه تعالى ، أكثر من أنسه باللّه ؛ وهما ضروريان إن عرفت بالحقيقة الروح وبقاءه بعد الموت ، وعلائقه ، وما يضادّه بالطبع وما يوافقه بالطبع .
[ فصل أن الإنسان يعدم بالموت ثم يعاد ]
لعلك تقول : المشهور عند أهل العلم ، أن الإنسان يعدم بالموت ثم يعاد ، وأن عذاب القبر يكون بنيران وعقارب وحيات ، وما ذكرته بخلاف ذلك .
فاعلم أن من قال إن الموت معناه العدم فهو محجوب عن حضيض التقليد ويفاع « 2 » الاستبصار جميعا ، أما حرمانه عن ذروة الاستبصار فلا تدركه ما لم تستبصر ؛ وأما حرمانه عن التقليد فتعرفه بتلاوة الآيات والأخبار ، قال اللّه تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ . . .
[ آل عمران :
هامش
( 1 ) ليس هذا نص آية كما قد يتوهم .
( 2 ) يفاع : علو .