تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
تحفة المؤمن » ؛ وإن بطلت الشبكة قبل الصيد عظمت فيه الحسرة والندامة والألم ، فلذلك يقول المقصّر :
رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
[ المؤمنون : 99 ، 100 ] . بل إن كان ألف الشبكة وأحبها وتعلق قلبه بها ، وحسّن صورتها وصنعتها ، وما يتعلق بها ، كان له من العذاب ضعفان : أحدهما : حسرة فوات الصيد الذي لا يقتنص إلا بشبكة البدن ، والثاني : زوال الشبكة مع تعلق القلب بها وإلفه لها . وهذا مبدأ من مبادي معرفة عذاب القبر ، إن استقصيته تحققته قطعا .

[ فصل في أن معنى الموت زمانة البدن ]

لعلك تشتهي الاستقصاء المفضي إلى التحقيق ؛ فاعلم أن هذا الكتاب لا يحتمله ، فاقنع منه بأنموذج يسير ، وافهم أن معنى الموت زمانة « 1 » البدن . وأنت تعرف أن زمانة اليد خروجها عن طاعتك مع وجود شخصها ببطلان القوة التي بواسطتها تستعمل اليد . فافهم أن الموت زمانة مطلقة في جميع الأعضاء ببطلان قواها ، فيسلب الموت منك يدك ورجلك وعينك وسائر حواسك ، وأنت باق ، أعني حقيقتك التي أنت بها أنت ؛ فإنك الآن الإنسان الذي كنت في الصّبا ، ولعله لم يبق فيك من تلك الأجسام شيء ، بل انحل كلّها وحصل بالغذاء بدلها ، وأنت أنت ، وجسدك غير ذلك الجسد . فإن كان لك معشوق تفتقر فيه إلى حواسك ، عظم عذابك بفراق معشوقك . وجميع ملاذ الدنيا معشوق ، ولا تنال إلا بالحواس ، ولا فرق في عذاب العاشق بين أن يحجب عنه معشوقه ، وبين أن يفقأ عينه ، أو يسلب هو عنه بأن يحمل إلى موضع حتى لا يراه ، فإن ألمه من عدم الرؤية . ومن أحب أهله وماله وعقاره وفرسه وجاريته وثيابه يألم بفراقها ، سواء سلبت هذه الأشياء عنه ، أو سلب هو عنها ، بأن حمل إلى موضع آخر ، وحيل بينه وبينها . فالموت يسلبك هذه الأشياء . ويحول بينك وبينها ، فيكون عذابك بقدر عشقك لها . والموت يخلي بينك وبين اللّه تعالى ، ويقطع عنك هذه الحواس الشاغلة المشوّشة ، فتكون لذّتك في القدوم على اللّه تعالى بقدر حبك له وأنسك بذكره ؛ ولأجل هذا نبّهك وقال اللّه تعالى : « أنا بدّك « 2 » اللازم فالزم بدّك » . وأجمع العبارات عن نعيم
هامش
( 1 ) زمانة : عاهة . ( 2 ) البدّ : النصيب ، ومن معانيها العوض ، والبدّ بكسر الباء النظير والمثيل .