نفسي بيده ما طرفت عيناي إلّا ظننت أن شفريّ « 1 » لا يلتقيان حتى يقبض اللّه عز وجل روحي ، ولا رفعت طرفي وظننت أني واضعها حتى أقبض ، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت » . ثم قال « يا بني آدم ، إن كنتم تعقلون فعدّوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت ، وما أنتم بمعجزين » .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل » .
وقال عليه السلام : « أكلّكم يحب أن يدخل الجنة ؟ » قالوا : نعم ، قال عليه السلام :
« قصّروا آمالكم ، واجعلوا آجالكم بين أبصاركم ، واستحيوا من اللّه حق الحياء » .
[ فصل أن العارف الكامل المستهتر بذكر اللّه تعالى مستغن عن ذكر الموت ]
اعلم أن العارف الكامل المستهتر بذكر اللّه تعالى مستغن عن ذكر الموت ، بل حاله الفناء في التوحيد ، لا التفات له إلى ماض ولا إلى مستقبل ، ولا إلى حال من حيث أنه حال ؛ بل هو ابن وقته ، يعني أنه كالمتّحد بمذكوره ؛ لست أقول متحدا بالذات ، فلا تعقل فتغلط ، وتسيء الظن . وكذلك يفارقه الخوف والرجاء ، لأنهما سوطان يسوقان العبد إلى هذه الحالة التي هو ملابسها بالذوق ؛ وكيف يذكر الموت وإنما يراد ذكر الموت لينقطع علاقة قلبه عما يفارقه بالموت . والعارف قد مات مرة في حق الدنيا وفي حق كل ما يفارقه بالموت ، فإنه ترفع وتنزه عن الالتفات إلى الآخرة أيضا ، فضلا عن الدنيا ، وقد تنغص عليه ما سوى اللّه تعالى ، ولم يبق له من الموت إلا كشف الغطاء ليزداد به وضوحا ، لا ليزداد يقينا ، وهو معنى قول علي - رضي اللّه عنه - « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » ، فإن الناظر إلى غيره من وراء ستر ، لا يزداد برفع الستر يقينا ، بل وضوحا فقط ؛ فإذا ذكر الموت يحتاج إليه من لقلبه التفات إلى الدنيا ، ليعلم أنه سيفارقها ، فلا يعتكف بهمته عليها ، ولذلك قال عليه السلام : « إن روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت ، فإنك مفارقه ، وعش ما عشت ، فإنك ميت ، واعمل ما شئت ، فإنك مجزيّ به » .
[ فصل حقيقة الموت وماهيته ]
لعلك تشتهي أن تعرف حقيقة الموت وماهيته ؛ ولن تعرف ذلك ما لم تعرف حقيقة
هامش
( 1 ) الشفر : أصل منبت شعر الجفن .