تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
والعصيان ، وقد تعبدت به شرعا وذلك مراد اللّه تعالى فيهم ؟ فاعلم أن طائفة من الضعفاء ظنوا أن ترك الأمر بالمعروف من جملة الرضا بالقضاء ، وسمّوه حسن الخلق وهو جهل محض ، بل عليك أن ترضى وأن تكره جميعا . والرضا والكراهية يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من وجه واحد ، ولا يتناقض أن يقتل عدوّك الذي هو عدوّ عدوّك أيضا ، فترضاه من حيث إنه عدوّك ، وتكرهه من حيث إنه عدوّ عدوّك . فكذلك للمعصية وجهان : وجه إلى اللّه تعالى من حيث إنها بقضائه ومشيئته فهو من هذا الوجه مرضيّ به ، ووجه إلى العاصي من حيث إنه صفته وكسبه ، وعلامة كونه ممقوتا من اللّه تعالى فهو من هذا الوجه مكروه . وقد تعبّدك اللّه تعالى ببغض من يبغضه من المخالفين لأمره ، فعليك بما تعبّدك به والامتثال له . ولو قال لك محبوبك إني أريد أن أمتحن حبك بأن أضرب عبدي وأرهقه إلى أن يشتمني فمن أبغضه فهو محبّي ومن أحبه فهو عدوي ، فيمكنك أن تبغض عبده إذا شتمه ، مع أنك تعلم أنه الذي اضطره إلى الشتم ، وكان ذلك مرادا منه ، فيقول : أمّا فعله في الشتم فإني أرضى به من حيث إنه تدبيرك في عبدك ، ومرادك ممن أردت إبعاده ، وأما شتمه من حيث هو صفته وعلامة عداوته ، فإني أبغضه لأني أحبك ، فأبغض لا محالة من عليه علامة عداوتك ؛ وهذه دقيقة زلّ فيها الضعفاء ، فلذلك يتهافتون فيها .

[ فصل ينبغي أن لا يظن أن معنى الرضا بالقضاء ترك الدعاء ]

كذلك ينبغي أن لا تظن أن معنى الرضا بالقضاء ترك الدعاء ، بل ترك السهم الذي أرسل إليك حتى يصيبك ، مع قدرتك على دفعه بالترس ، بل تعبدك اللّه عز وجل بالدعاء ، ليستخرج به من قلبك صفاء الذكر ، وخشوع القلب ورقته ، لتستعد به لقبول الألطاف والأنوار . فمن جملة الرضا بقضائه ، أن يتوصل إلى محبوباته بمباشرة ما جعله سببا له ؛ بل ترك الأسباب مخالفة لمحبوبه ومناقضة لرضاه ، فليس من الرضاء للعطشان أن لا يمدّ اليد إلى الماء البارد ، زاعما أنه رضي بالعطش الذي هو من قضاء اللّه تعالى ؛ بل من قضاء اللّه تعالى ومحبته أن يزال العطش بالماء . فليس في الرضا بالقضاء ما يوجب الخروج عن حدود الشرع ورعاية سنة اللّه تعالى أصلا ، بل معناه ترك الاعتراض على اللّه عز وجل إظهارا وإضمارا ، مع بذل الجهد في التوصل إلى محاب اللّه تعالى من عباده ، وذلك بحفظ الأوامر وترك النواهي .