تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
من الراضين أنه كان يقول في كل ما يصيبه : « الخير فيما قدّره اللّه تعالى » وكان في بادية ومعه أهله وليس له إلا حمار يحمل عليه خباءه ، وكلب يحرسهم ، وديك يوقظهم ، فجاء ثعلب وأخذ الديك فقال : خيرة ، وجاء ذئب وقتل الحمار ، فحزن أهله فقال : خيرة ، ثم أصيب الكلب فمات ، فقال : خيرة ؛ فتعجب أهله من ذلك ، حتى أصبحوا وقد سبي من حولهم ، واسترقّ أولادهم ، وكان قد عرف مكانهم بصوت الديك ، ومكان بعضهم بنبيح الكلب ، ومكان بعضهم بنهيق الحمار ، فقال : قد رأيتم أن الخيرة فيما قدره اللّه سبحانه ، فلو لم يهلكهم اللّه عز وجل لهلكتم وهلكنا . وروي أن نبيّا كان يتعبد في جبل وكان بالقرب منه عين ، فاجتاز بها فارس وشرب ونسي عندها صرة فيها ألف دينار ، وجاء آخر فأخذ الصرة ، ثم جاء رجل فقير على ظهره حزمة حطب ، فشرب واستلقى ليستريح فرجع الفارس في طلب الصرة فلم يرها ، فأخذ الفقير فطالبه وعذبه فلم يجدها عنده فقتله . فقال النبي : إلهي ما هذا ؟ أخذ الصرة ظالم آخر ، وسلطت هذا الظالم على هذا الفقير حتى قتله ! فأوحى اللّه إليه : اشتغل بعبادتك ، فليس معرفة أسرار الملك من شأنك ، إن هذا الفقير كان قد قتل أبا الفارس فمكّنته من القصاص ، وإن أبا الفارس كان قد أخذ ألف دينار من مال آخذ الصرة ، فرددته إليه من تركته . فمن أيقن بأمثال هذه الأسرار لم يتعجب من أفعال اللّه تعالى ، وتعجب من جهل نفسه ، ولم يقل لم وكيف فرضي بما دبره اللّه في ملكوته . وهاهنا وجوه أربعة تتشعب عن محض المعرفة بكمال الجود والحكمة ، وبكيفية ترتيب الأسباب المتوجبة إلى المسببات ، ومعرفة القضاء الأول الذي هو كلمح البصر ، ومعرفة القدر الذي هو سبب ظهور تفاصيل القضاء ، وأنها رتبت على أكمل الوجوه وأحسنها ، وليس في الإمكان أحسن منها وأكمل . ولو كان وادّخر ، لكان بخلا لا جودا وعجزا يناقض القدرة ، وينطوي تحت ذلك معرفة سرّ القدر ، وكما أن من أيقن ذلك ، لم ينطو ضميره إلا على الرضا بكل ما يجري من اللّه . وشرح ذلك يطول ، ولا رخصة فيه أيضا فلنتجاوزه .

[ فصل كيف أجمع بين الرضا بقضاء اللّه تعالى ، وبين بغض أهل الكفر ]

لعلك تقول : كيف أجمع بين الرضا بقضاء اللّه تعالى ، وبين بغض أهل الكفر