الأصل العاشر ، ذكر الموت وحقيقته وأصناف العقوبات الروحانية :
اعلم أن المقامات التسع التي ذكرناها ليست هي على رتبة واحدة ، بل بعضها مقصود لذاتها ، كالمحبة والرضا ، فإنهما أعلى المقامات ، وبعضها مطلوبة لغيرها ، كالتوبة والزهد ، والخوف والصبر ، إذ التوبة رجوع عن طريق البعد ، للإقبال على طريق القرب . والزهد ترك الشواغل عن القرب . والخوف سوط يسوق إلى ترك الشواغل ، والصبر جهاد مع الشهوات القاطعة لطريق القرب . وكل ذلك غير مطلوب لذاته ، بل المطلوب القرب وذلك بالمعرفة والمحبة فإنها مطلوبة لذاتها لا لغيرها ، ولكن لا يتم ذلك إلا بقطع حبّ غير اللّه تعالى عن القلب ، فاحتيج إلى الخوف والصبر والزهد لذلك . ومن الأمور العظيمة النفع فيه ذكر الموت ، فلذلك أوردناه ، ولذلك عظّم الشرع ثواب ذكره ، إذ به يتنغص حب الدنيا ، وتنقطع علاقة القلب عنها ؛ قال اللّه تعالى :
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
[ الجمعة : 8 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم :
« أكثروا من ذكر هادم اللذات » ، وقال عليه السلام : « من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » ، وقالت عائشة - رضي اللّه عنها - : يا رسول اللّه هل يحشر مع الشهداء أحد ؟ قال : « نعم ، من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة » . ومر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمجلس وقد استعلاه الضحك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « شوبوا مجلسكم بذكر مكدّر اللّذات » . قيل : وما هو ؟
قال عليه السلام : « الموت » . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ، لما أكلتم منها لحما سمينا » . وقال عليه السلام : « كفى بالموت واعظا » . وقال عليه السلام : « تركت فيكم واعظين صامتا وناطقا ، فالصامت الموت ، والناطق القرآن » .
وذكر رجل عند النبي - عليه السلام - وأحسن الثناء عليه ، فقال عليه السلام :
كيف كان ذكر صاحبكم للموت ؟ قالوا : ما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت . قال : إن صاحبكم ليس هناك . وقال رجل من الأنصار : يا رسول اللّه من أكيس الناس وأكرم الناس ؟ فقال : أكثرهم للموت ذكرا ، وأشدهم له استعدادا ، أولئك هم الأكياس ، ذهبوا براحة الدنيا وكرامة الآخرة .
[ فصل في أن الموت عظيم هائل ]
اعلم أن الموت عظيم هائل ، وما بعده أعظم منه ، وفي ذكره منفعة عظيمة ، فإنه