مشحون بالأقذار والخبائث ؛ وإنما يدرك بعين ظاهرة يغلب الغلط عليها ، حتى ترى الكبير صغيرا ، والبعيد قريبا ، والقبيح جميلا . فكيف لا يتصور بالإدراك جمال الحضرة الربوبية ، والجلال الأزلي الأبدي ، الذي لا يتصور انقطاعه ونقصانه ، المدرك بالبصيرة الباطنة ، التي هي أصدق وأوضح عند أهلها من البصر الظاهر ؟ ومن هذا الأصل قال الجنيد - رحمه اللّه - قلت لسرّي السقطي - رحمه اللّه - : هل يجد المحب ألم البلاء ؟
قال : لا . قلت : وإن ضرب بالسيف ؟ قال : لا ، وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة ، ضربة على ضربة . وقال بعضهم : أحببت كل شيء لحبه ، حتى لو أحب النار أحببت الدخول في النار .
وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه اللّه - : ما بقي لي فرح إلا في موقع قدر اللّه تعالى . وضاع لبعض الصوفية ولد صغير ثلاثة أيام ، فقيل له : لو سألت اللّه تعالى أن يرده عليك ! فقال : اعتراضي عليه فيما قضى أشدّ علي من ذهاب ولدي .
الوجه الثاني من الرضاء : أن يحس بالألم ويكرهه بالطبع ، ولكن يرضى به بعقله وإيمانه لمعرفته بجزالة الثواب على البلاء ، كما يرضى المريض بألم الفصد ، وشرب الدواء ، لعلمه بأنه سبب الشفاء ، حتى إنه ليفرح بمن يهدي إليه الدواء وإن كان بشعا .
وكذلك يرضى التاجر بمشقة السفر وهو خلاف طبعه . وهذا أيضا يشاهد مثله في الأغراض الدنيوية ، فكيف ينكر في السعادة الأخروية ؟ وروي أن امرأة فتح الموصلي الأنصاري عثرت فانقطع ظفرها فضحكت ، فقيل لها : أما تجدين ألم الوجع ؟ فقالت :
إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه . فإذا من أيقن أن ثواب البلاء أعظم مما يقاسيه ، لم يبعد أن يرضى به .
الوجه الثالث : أن تعتقد أن للّه تعالى تحت كل أعجوبة لطيفة بل لطائف ، وذلك يخرج عن قلبه . ( لم وكيف ) حتى لا يتعجب مما يجري على العالم مما يظنه الجاهل تشويشا واضطرابا ، وميلا عن الاستقامة ويعلم أن تعجبه كتعجب موسى من الخضر - عليه السلام - لما خرق سفينة الأيتام ، وقتل الغلام ، وأعاد بناء الجدار ، كما في سورة « الكهف » . فلما كشف الخضر عن السر الذي اطلع عليه ، سقط تعجبه ، وكان تعجبه بناء على ما أخفي عنه من تلك الأسرار . وكذلك أفعال اللّه تعالى ، مثاله : ما حكي عن رجل
الأربعين في اصول الدين — صفحة 160
مساهمون: الغزالي
ص١٦٠