العجيب على ما هو عليه من البهاء والعظمة والجلال والمجد ، في قلب العارف ، كما تنطبع مثلا صورة العالم المحسوس في حواسك ، فكأنك تنظر إليه وإن غمضت عينيك . فإن فتحت العين ووجدت الصورة المبصرة مثل الصورة المتخيلة قبل فتح العين لا تخالفها في شيء إلّا أن الإبصار في غاية الوضوح بالنسبة إلى التخيل . وكذلك ينبغي أن تعلم أن في إدراك ما لا يدخل في الخيال والحس أيضا في درجتين متفاوتتين في الوضوح غاية التفاوت ، ونسبة الثانية إلى الأولى كنسبة الإبصار إلى التخيل ، فتكون الثانية غاية الكشف ، فيسمى لذلك مشاهدة ورؤية . والرؤية لم تسمّ رؤية لأنها في العين ، إذ لو خلقت في الجبهة لكانت رؤية ؛ بل لأنها غاية الكشف . وكما أن تغميض الأجفان حجاب من غاية الكشف في المبصر ، فكدورة الشهوات وشواغل هذا القالب المظلم حجاب عن غاية المشاهدة ؛ ولذلك قال اللّه تعالى :
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف :
143 ] . وقال تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] . فإذا ارتفع هذا الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة ، ويكون مشاهدة كل واحد على قدر معرفته ؛ ولذلك تزيد لذة أولياء اللّه سبحانه في النظر على لذة غيرهم ، ويتجلّى اللّه تعالى لأبي بكر - رضي اللّه عنه - خاصة ، ويتجلى للناس عامة . وكذلك لا يراه إلا العارفون ؛ لأن المعرفة بدء النظر ، بل هي التي تنقلب مشاهدة ، كما ينقلب التخيل إبصارا . فلذلك لا يقتضي مقابلة وجهه . وسرّ هذا طويل ، فاطلبه من كتاب المحبة في الإحياء .
فصل
لو كان معشوقك وأنت تراه من وراء ستر رقيق في وقت الإسفار وفي حالة ضعف الضوء ، وفي حالة اجتمع عليك تحت ثوبك عقارب وزنابير تلدغك وتشغلك ، فلا يخفى أن لذتك من مشاهدة معشوقك تضعف . فلو أشرقت الشمس دفعة واحدة فارتفع الستر الرّقيق ، وانصرفت عنك العقارب والزنابير ، وهجم عليك العشق المفرط البليغ ، فلا نسبة لهذه اللذة العظيمة التي تحصل الآن إلى ما كان قبل ذلك . وكذلك فافهم أنه لا يشبه لذة النظر إلا لذة المعرفة بل هي أعظم منها كثيرا . والستر الرّقيق قالبك . والعقارب شواغل الدنيا وغمومها وشهواتها ، وهجوم العشق شدة الشهوة لانقطاع المضعّفات والمنغّصات عنها ، وإشراق الشمس هو استعداد حدقة القلب لاحتمال تمام التجلّي ، فإنها في هذه الحياة لا يحتمل بصر الخفّاش نور الشمس .