خاصية الإنسان التمييز بالبصيرة الباطنة . ولذة البصر الظاهر ، في الصور الجميلة الظاهرة ، ولذة البصيرة الباطنة ، في الصور الجميلة الباطنة .
[ فصل ما معنى الصور الجميلة الباطنة ؟ ]
لعلك تقول : ما معنى الصور الجميلة الباطنة ؟ فأقول ما عندي أنك لا تحس من نفسك حب الأنبياء والعلماء والصحابة ، ولا تدرك من نفسك تفرقة بين الملك العادل العالم الشجاع الكريم العطوف على الخلق ، وبين الظالم الجاهل البخيل الفظّ الغليظ .
وما عندي أنك إذا حكي لك صدق أبي بكر ، وسياسة عمر ، وسخاوة عثمان ، وشجاعة علي - رضوان اللّه عليهم - لا تجد في نفسك هزة وارتياحا وميلا إلى هؤلاء ، وإلى كل موصوف بخلال الكمال من نبيّ وصدّيق وعالم . وكيف تنكر هذا ، وفي الناس من يقتدي بنفسه أرباب المذاهب ، ويحمله حبه لهم على البذل بالمال والنفس في الذب عنهم ، وتجاوز ذلك حدّ العشق ، وأنت تعلم أن حبك لهؤلاء ليس لصورهم الظاهرة ، فإنك لم تشاهدها ، ولو شاهدتها ربما لم تستحسنها ، وإن استحسنت ، فلو تشوهت صورهم الظاهرة ، وبقيت صفاتهم المعنوية الباطنة ، لبقي حبهم . وإذا فتشت عن محبوبك منهم ، رجع - بعد التفصيل الطويل الذي لا يحتمله هذا الكتاب - إلى ثلاث صفات : العلم والقدرة والنزاهة عن العيوب . أما العلم ، فكعلمهم باللّه وملائكته وكتبه ورسله وعجائب ملكوته ودقائق شريعة أنبيائه . وأما القدرة ، فكقدرتهم على أنفسهم بكسر شهوتها ، وحملها على الصراط المستقيم . وقدرتهم على العبادة بسياستهم ، وإرشادهم إلى الحق . وأما النزاهة ، فكسلامة باطنهم من عيب الجهل والبخل والحسد وخبائث الأخلاق ؛ واجتماع كمال العلم والقدرة مع حسن الأخلاق ، وهو حسن الباطن ، وهي الصورة الباطنة التي لا تدركها البهيمة ، ومن في مثل حالها بالبصر الظاهر .
ثم إذا أحببت هؤلاء بهذه الصفات ، وعلمت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان أجمع منهم لهذه الخصال ، كان حبك له أشد بالضرورة ، فارتفع نظرك الآن من النبي إلى مرسل النبي وخالقه والمتفضل على الخلق ببعثه ، لتعلم أن بعثه الأنبياء حسنة من حسناته . ثم انسب قدرة الأنبياء وعلمهم وطهارتهم إلى علم اللّه سبحانه وقدرته وقدسه ، لتعلم أنه لا قدّوس سوى الواحد الحق ، وأن غيره لا يخلو من عيب ونقص ؛ بل العبودية أعظم أنواع