مخلوقا خفتم ومخلوقا رجوتم . ومر بقوم آخرين كذلك ، فقالوا : نعبده حبّا وتعظيما لجلاله ، فقال : أنتم أولياء اللّه حقّا ، ومعكم أمرت أن أقيم .
[ فصل العارف لا يحب إلا اللّه تعالى ]
العارف لا يحب إلا اللّه تعالى ، فإن أحبّ غيره فيحبه للّه عز وجل ، إذ قد يحبّ المحبّ عبد المحبوب وأقاربه وبلده وثيابه وضيعته وتصنيفه ، وكل ما هو منه وإليه نسبته . وكل ما في الوجود صنع اللّه عز وجل وتصنيفه ، وكل الخلق عباد اللّه تعالى ؛ فإن أحبّ الرسول أحبّه لأنه رسول محبوبه وحبيبه . وإن أحب الصحابة فلأنهم محبوبو رسوله ، ولأنهم محبوه وعبيده والمواظبون على طاعته . وإن أحب طعاما فلأنه يقوّي مركبه الذي به يصل إلى محبوبه ، أعني البدن . وإن أحب الدنيا ، فلأنها زاده إلى محبوبه . وإن أحب النظر إلى الأزهار والأنهار والأنوار والصور الجميلة ، فلأنها صنعة محبوبه ، وهي دلالات على جماله وجلاله ، ومذكّرات لصفات المحامد التي هي المحبوبة في ذاتها . وإن أحبّ المحسن إليه والمعلم إياه علوم الدين ، فيحبه لأنه واسطة بينه وبين محبوبه في إيصال علمه وحكمه إليه . ويعلم أنه الذي قيّضه لتعليمه وإرشاده ، والإنفاق عليه من ماله ، وأنه لولا تسليط الدواعي إليه واضطراره بسلسلة البواعث والأغراض إلى إرشاده والإنفاق عليه لما فعله . وأعظم الخلق إحسانا علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وللّه المنّة والفضل بخلقه وبعثه ، كما قال :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
[ الجمعة : 2 ] . ولذلك قال اللّه تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ القصص : 56 ] .
وتأمل سورة الفتح وقوله تعالى :
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
[ النصر : 2 ، 3 ] . فقد أنزله منزلة النظارة وقال : إذا رأيت عباد اللّه يدخلون في دين اللّه فقل بحمد اللّه لا بحمدي ، وهو معنى التسبيح بحمد ربه . فإن التفت قلبك إلى نفسك وسعيك فاستغفره ليتوب عليك .
واعلم أنه ليس لك من الأمر شيء . ومن هاهنا نظر عمر - رضي اللّه عنه - حيث وصل كتاب خالد بعد فتح مكة : « من خالد سيف اللّه المسلول على المشركين إلى أبي بكر أمير المؤمنين » . فقال : إن نصر اللّه المسلمين نظر خالد إلى نفسه ويسميها سيفا مسلولا على المشركين . ولو لاحظ الحق كما هو لعلم أن ليس ذلك بسيفه ولكن للّه