تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
تعالى سر في إرادته بنصرة الإسلام ، فينصره بخطرة واحدة وهو خاطر رعب يلقيه في قلب كافر فينهزم ، وينظر إليه غيره فينهزم وتعم الهزيمة ، فينظر خالد ومن هو في مثل حاله أنه علا كلمة الإسلام بصرامته وحدة سيفه ، ويطلع عمر - رضي اللّه عنه - ومن هو في مثل حاله من الصّديقين والأولياء على حقيقة الحال ، ويعلم حاجة خالد إلى الاستغفار ، وأن يسبح بحمد ربه إذا رأى ذلك كما أمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فإذا لا موجب للمحبة إلا أمران : أحدهما الإحسان والآخر غاية الجلال والجمال بكمال الجود والحكمة والعلو والقدرة والتقديس من العيب والنقص . ولا إحسان إلا منه ، ولا جلال ولا جمال ولا قدس إلا له . فكل ما في العالم من حسن وإحسان فهو حسنة من حسنات جوده ، يسوقها إلى عباده بخطرة واحدة يخلقها في قلب المحسن . فكل ما في العالم من صور مليحة ، وهيئة جميلة يدرك بعين أو سمع أو شم ، فأثر من آثار قدرته ، وهي بعض معاني جماله . فليت شعري ! لمن عرف بالمشاهدة المحققة والبرهان القاطع جميع هذا ، كيف يتصور أن يلتفت إلى غير اللّه تعالى ، أو يحب غير اللّه عز وجل ؟

[ فصل اعلم أن لذة العارف في الدنيا من مطالعة جمال الحضرة الربوبية ]

اعلم أن لذة العارف في الدنيا من مطالعة جمال الحضرة الربوبية ، أعظم من كل لذة يتصور أن يكون في الدنيا سواها ؛ وذلك لأن اللذة على قدر الشهوة ، وقوة الشهوة على قدر الملاءمة والموافقة مع المشتهي . وكما أن أوفق الأشياء للأبدان الأغذية ، فأوفق الأشياء للقلوب المعرفة ، فالمعرفة غذاء القلب ، وأعني بالقلب الروح الرباني الذي قال اللّه تعالى فيه :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] ، وقال تعالى :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ، ص : 72 ] فأضافه إلى نفسه . وهذا الروح لا يكون للبهائم ولمن هو في مثل حالها من الإنس ، بل يختص به الأنبياء والأولياء ؛ ولذلك قال تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] فالمعرفة أوفق الأشياء لهذه الروح ، لأن الأوفق لكل شيء خاصيته ؛ فالصوت الطيب لا يوافق البصر ، لأنه ليس من خاصيته . وخاصية روح الإنساني معرفة الحقائق ، وكلما كان المعلوم أشرف ، كان العلم به ألذ ؛ ولا أشرف من اللّه وملكوته ولا أجلّ منه ، فمعرفته ومعرفة صفاته وذاته وعجائب ملكه