تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
النقص ، فأيّ كمال لمن لا قوام له بنفسه ، ولا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا رزقا ولا أجلا ! وأيّ علم لمن يشكل عليه صفات باطنه في مرضه وصحته ، بل لا يعلم جميع جوارحه الباطنة ، وتفصيلها وحكمها بالتحقيق ، فضلا عن ملكوت السماوات والأرض ! وانسب هذا إلى العلم الأزليّ المحيط بجميع الموجودات ، ومعلومات لا نهاية لها إلى الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض ، وإلى قدرة خالق السماوات والأرض الذي لا يخرج موجود عن قبضة قدرته في وجوده وبقائه وعدمه ؛ وانسب نزاهته من العيوب إلى قدسه ، لتعلم أنه لا قدس ولا قدرة ولا علم إلا للواحد الحق ، وإنما لغيره القدرة التي أعطاه ،
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
[ البقرة : 255 ]
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 85 ] فانظر الآن هل يمكنك أن تنكر أن هذه الصفات والمحامد محبوبة ، أو تنكر أن الموصوف بكمال الجلال هو اللّه تعالى ؟ وانظر كيف تنكر حبه بعد ذلك !

[ فصل الميل إلى المنعم المحسن ]

إن قصّرت بصيرتك عن إدراك الجلال والكمال والميل إلى مطالعته والفرح به والعشق له ، فلا تقصر عن الميل إلى المنعم المحسن إليك ، ولا تكوننّ أقلّ من الكلب ، فإنه يحب صاحبه الذي يحسن إليه . وتأمل هذا في العالم ، هل لأحد إحسان إليك سوى اللّه تعالى ؟ وهل لك حظ ولذة وتنعّم في شيء وحرص على نعمة إلا واللّه سبحانه خالقها ومبديها ومبقيها وخالق الشهوة إليها والتلذذ بها ؟ وتفكر في أعضائك ولطف صنع اللّه تعالى بك فيها ، لتحبه بإحسانه إليك ، فتكون من عوام الخلق إن لم تقدر أن تحبه لجماله وجلاله وكماله ، كما تحبه الملائكة لذلك ، وامتثال قوله عليه السلام : « أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحبّ اللّه » . وعند هذا تكون كالعبد السوء ، يحب ويعمل للأجرة والنفقة ، فلا جرم يزيد حبّك وينقص بزيادة الإحسان ونقصانه ؛ وذلك ضعيف جدا ؛ بل الكامل من يحب اللّه لجلاله وجماله ومحامد صفاته التي لا يتصور أن يشارك فيها . ولذلك أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : « إن أودّ الأودّاء إليّ من عبدني بغير نوال ، لكن ليعطي الربوبية حقها » . وفي الزبور : « من أظلم ممن عبدني لجنة أو نار ، لو لم أخلق جنة ولا نارا ، ألم أكن أهلا أن أطاع ؟ » ومرّ عيسى - عليه السلام - بطائفة من العبّاد وقد تخلّوا للعبادة ، وقالوا نخاف النار ونرجو الجنة ، فقال :
الأربعين في اصول الدين — صفحة 153 | الغزالي