الأولى : إنّ الضلال المذكور يراد منه الضلال من الهداية الخاصة لا العامة ، وهذا الضلال أو الحرمان من الهداية الخاصة مسبوق دائما بظلم من العبد أو فسق صدر منه أو كفر أو تكذيب أو خيانة كما مرّ معك آنفا .
الثانية : الدليل العقلي المحكم الذي ينزّه اللّه سبحانه عن الظلم ، مضافا إلى ذلك وجود آيات كثيرة تبعد عن ساحته المقدّسة الظلم للعباد ، وتذمّ الظالمين ، كقوله تعالى :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
« 1 » ، وقوله :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
« 2 » ، وقوله عزّ اسمه :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
« 3 » ، وقوله :
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
« 4 » .
فعدم هداية اللّه تعالى لبعض العباد المستحقين للهداية الخاصة يعدّ ظلما يتنزّه عنه سبحانه ، إذ كيف يعاقب الظالمين ويتوعدهم بالعذاب كما في الآيات المتقدّمة وهو في نفس الوقت يفعل الظلم وقد نهى عنه عزّ وجلّ .
* إذا عرفت ما ذكرنا تقف على حقيقة وهي :
إنّ الهداية العامة التي بها تناط مسألة الجبر والاختيار شاملة لجميع الأفراد ، ففي وسع ومقدور كل إنسان أن يهتدي بهداها ، ومن هنا لا يمكن لأحد أن يتشدّق ويقول : « إنّ اللّه ما هداني لكي التزم بأوامره ، فعند ما يهديني فسوف أفعل ما يطلبه مني » وهذا هو الشائع عند أغلب السّذج من الناس فإذا قلنا : « اتّق اللّه ! » يجيبك على الفور « إن اللّه ما هداني بعد ! » .
إذن فالهداية الخاصة والعناية الزائدة التي يوليها اللّه سبحانه وتعالى لبعض العباد المخلصين الذين أفنوا أعمارهم في طاعته عزّ اسمه إنما هي نوع تسديد لهم
هامش
( 1 ) سورة غافر : 31 .
( 2 ) سورة الكهف : 29 .
( 3 ) سورة إبراهيم : 13 .
( 4 ) سورة مريم : 72 .