تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وكل ما يدعو إلى اللّه عزّ وجلّ كالعلماء الربّانيين ، قال تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
« 1 » وهذا القسم من الهداية يشمل كافة المكلّفين من الجن والإنس ، ولا يختصّ بطائفة دون أخرى ، ولا بجيل دون آخر ، والهداية العامة بكلا قسميها قد منحهما اللّه سبحانه للمكلّفين تكوينا وتشريعا على نحو الجبر والاختيار ، فالهداية التكوينية جبرية وليس للإنسان فيها صنع ، كحركات الأعضاء الداخلية ( القلب ، الرئتين . . ) وبقية الأعضاء التي تعمل دون اختيارنا وإرادتنا . والهداية التشريعية اختيارية بمعنى أنّ بمقدور الإنسان أن يعمل بأوامر الشريعة ، أو لا يعمل ، فهو مختار لأن يسلك طريق الشريعة أو لا يسلكها .

* وأمّا الهداية الخاصة فلا قسيم لها

، بل هي عبارة عن عناية ربّانية يهبها اللّه سبحانه لخاصّة عبيده ، حسبما تقتضيه حكمته ، فيهيئ لهم ما به يهتدون إلى كمالهم ، ويصلون بواسطته إلى مقصودهم . والهداية الخاصة مشروطة ومعلّقة على الهداية العامة ، ومنها قوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
« 2 » .

[ ما معنى الإضلال الوارد في بعض الآيات ؟ ]

فيكون معنى الإضلال الوارد في بعض الآيات القرآنية هو منعهم من هذه المواهب والألطاف الخاصة ، وخذلانهم في الحياة الدنيا منها ، لأنهم هم الذين منعوا من وصولها إليهم نتيجة تركهم العمل بالهداية العامة ، ولو عملوا بها لأفاض عليهم من ألطافه وإكرامه ، لأنّ الارتياض الروحي المعبّر عنه بالجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس الأمّارة بالسوء لازمه أن يمدّه اللّه سبحانه بهداية السبيل والوصول إلى شاطئ الأمان ، قال تعالى واعدا العاملين بإخلاص أن يفيض عليهم من التوفيقات الخاصة بقوله عزّ اسمه :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الحديد : 25 . ( 2 ) سورة العنكبوت : 69 . ( 3 ) سورة محمد : 17 .