الثالث : أن هذا من الأمور الإلهية التي اعترفت أنت وحكيت عن أرسطو :
" أن قوتنا بالنسبة إلى ادراكها ، كإبصار الخفاش إلى الشمس " « 1 » وأن فائدة النبوات تعريف مثل ذلك ، فليس لك أن تعترف بقصور عقلك عن أمر تعود فتنكره بناء على أن عقلك لا يدركه ، بل إن اعترفت بأن الشرائع وردت بما يقصر عنه العقل البشري ، لزمك تسليم مثل هذا إذا أخبر به صادق ، ولا يبقى لك نزاع إلا في صدقه وعلينا بيانه ، وإن أنكرت ذلك فلست من أهل الشرائع حتى نتكلم معك ، لأن أهل الشرائع أجمعوا على خلافك « 2 » .
الرابع : أن العالم بأسره لما أنكر عليكم دعواكم : أن الله هو المسيح وأنه عبارة عن ثلاثة أقانيم : الأب والابن وروح القدس ، إله واحد ، لجأتم إلى إمكان ذلك في قدرة الله ، مع أن دعواكم إذا حققت كانت باطلة قطعا عند كل عاقل ، وتمحلتم « 3 » لاثباتها بتشبيهه بالشمس المتحدة في نفسها المشتملة على جرم وضوء وشعاع ، وبالزبرة « 4 » المحماة المشتملة / مع وحدتها على حديد ونار وشرر ، وأشباه هذا من الأشياء التي لا حاصل لها واستروحتم « 5 » إلى ذلك ، مع أنه مكابرة جبناء فنحن أولى أن نلجأ في هذه الأمور الغائبة عنا ، الممكنة في نفسها بلا خوف إلى قدرة الله سبحانه .
هامش
( 1 ) انظر ص : 237 وما بعدها من هذا الكتاب .
( 2 ) في ( ش ) : خلاف ذلك .
( 3 ) من تمحل : أي احتال . [ انظر لسان العرب 11 / 619 ، ومختار الصحاح ص 617 ، والمعجم الوسيط 2 / 856 ] .
( 4 ) الزبرة : القطعة من الحديد . [ انظر لسان العرب 4 / 316 ، ومختار الصحاح ص 267 ] .
( 5 ) أي سررتم به ونشطتم ، من راح الإنسان إلى الشيء يراح ويستروح إليه ، وإليه سكن واطمأن " .
[ انظر لسان العرب 2 / 460 ، والمعجم الوسيط 1 / 380 ] .