وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف . فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين . وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولم أكن أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت « 1 » لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت قدمه " « 2 » .
قلت : فهذا حديث صحيح ثابت بإجماع المسلمين ، ويستحيل عادة اختلاق مثله . ثم لو سلم أنه مختلق ، لكن هذه القضايا التي فيه مشهورة مثل أنه لم يكن في قومه / نبي « 3 » ولا ملك ، وأنه غير كاذب ولا غادر ونحوها .
ووجه الاستدلال منها ظاهر جدا ، فلو وفق النصارى كلهم لما وفق له هذا الملك « 4 » ، لأفلحوا كل الفلاح ، ثم مقصودنا منه : استدلاله على صدقه بقوله :
" لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله " . /
وهكذا النجاشي ملك الحبشة لما سمع ما أنزل على محمد في سورة مريم من صفة المسيح حيث يقول :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 )
« 5 »
هامش
( 1 ) لتجشمت : أي تكلفت الوصول إليه . [ انظر فتح الباري 1 / 37 ، ومختار الصحاح ص 105 ] .
( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي ، الباب السادس ، وفي الجهاد ، باب قوله تعالى :قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا . . .بلفظ مقارب للفظ الأول وأطرافه في مواضع أخرى من صحيحه . وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد ، باب كتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هرقل بلفظ مقارب لهذا اللفظ ، وأحمد في المسند ( 1 / 262 ) بنحوه .
( 3 ) كلمة : " نبي " ليست في ( أ ) .
( 4 ) هذا الملك وفق لمعرفة الحق دون الانتفاع به ، وليس في هذا فلاح .
( 5 ) سورة مريم ، آية : 30 .