ونزيد هاهنا بأن نقول : هو وإن كان له على الشيطان هذا السلطان لكن يجوز أن يسلط عليه الشيطان بإذن الله لحكمة . وقد بين الله سبحانه الحكمة في ذلك حيث يقول :
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ . . . ( 53 )
« 1 » يعني الكفار والمنافقين كانوا قد أيسوا من محمد أن يعبد آلهتهم ، / أو يسكت عن ذمها ، وقد ضجر بعضهم وهمّ أن يدخل في الإسلام فألقى الشيطان على لسانه « 2 » مدح الأصنام ليظنوا أنهم منها على شيء فيتمسكوا بعبادتها ، وأن لها قدرا عند محمد ، فيطمعون في إجابته إلى عبادتها أو الكف « 3 » عنها ، فأمسك من كان أراد الدخول في الإسلام عنه بهذا السبب حتى مات كافرا ، وظنوا أن رجوع محمد عن مدحها بعد إلقائه على لسانه عناد لها ورجوع عن الحق في أمرها « 4 » . وهذه الآية من أكبر الأدلة على إثبات القدر . وسيأتي عند ذكر هذا الخصم له .
هامش
( 1 ) سورة الحج ، آية : 53 .
( 2 ) قال الإمام القرطبي في تفسيره ( 12 / 82 ) : " والذي يظهر ويترجح في تأويلها على تسليمه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا ، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات عنه ، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات ، محاكيا نغمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار ، فظنوها من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأشاعوها ، ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله ، وتحققهم من حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ذم الأوثان وعيبها . . . " ا ه .
( 3 ) في ( ش ) : والكف .
( 4 ) كل هذا الكلام الذي ذكره الطوفي بناء على ما رآه من صحة القصة ، ولذلك بنى رده على النصراني في هذه المسألة على أنها صحيحة ، وليست كذلك - والله أعلم - .