مسألة هامّة :
هناك حقيقة مشهودة وأمر ملموس في القرآن الكريم يكتشفه المتدبّر في آياته ، وهي أنّ لهذا الكتاب السماوي بدايةً وجذراً أصيلًا ومنبعاً واحداً ، وأنّ الآيات الكريمة تترى الواحدة تلو الأخرى باتجاه هدف معيّن ، وتعود لتصبّ في مصبّ واحد ، بحيث يبتني منهج الاستدلال وكيفيّته - إلى حدّ ما - في كلّ آية على الآية التي سبقتها . يبدأ كتاب اللَّه العظيم ، القرآن الكريم بسورة الحمد ، التي تعرف ب « فاتحة الكتاب » ، وهذا العنوان يكشف عن أنّ للقرآن بداية ونهاية ، وإذا لم يكن تدوين القرآن وجمعه قد تمّ على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله فلا محلّ ولا معنى لإطلاق هذه الصفة على سورة الحمد - التي احتلّت في عملية التدوين بداية هذا الكتاب السماوي - وأن يذكرها النبيّ صلى الله عليه وآله بهذا العنوان « الفاتحة » . ولعلّ السرّ في البدء بهذه السورة وافتتاح القرآن بها أنّها تمثِّل فهرساً وقائمةً مركزةً ومختصرةً لمطالب ورسالة القرآن الكريم . فالقرآن الكريم بصدد رسالتين أساسيّتين في طريق هداية البشرية وسعادتها : « الإيمان باللَّه والإقرار بالمعاد ويوم الجزاء » وتأتي قصص الأنبياء في القرآن مثلًا لتحكي وتبيّن ردود فعل الأمم السابقة ، وكيف أنّ الرقي الإنساني والسعادة والنعم الربانية كانت قرينة الاستجابة لدعوات الأنبياء والإيمان بهم ، وأنّ التعاسة والشقاء والانحطاط كان حليف الكفر وإنكار الرسالات والنبوّات ، وإنّ سورة الحمد تضمّ خلاصة مواضيع أساسية من هذا القبيل ، وتشكّل عصارة الأهداف المقدّسة للقرآن الكريم .