انصرف إليهم ، وجلس فبيناهم إذ نظروا إلى الصخرة وهي تزجر كما تزجر النافة ، وتمخض كما تمخض المرأة في نفاسها . فلما رأوا ذلك بهتوا متعجّبين منها ، فظهرت لهم من وسط تلك الصخرة ناقة من أحسن ما تكون من النوق واملأها للعين ، ثم نهضت فجعلت تمشى نحوهم ، حتّى إذا دنت بركت ، فوضعت سقبا مثلها . في العظم والجسم ، ثم نهضت نحو المرعى ، واتبعها سقبها .
فلما رأوا ذلك بهتوا متعجبّين وآمنوا بالله ، عزّ وجل ، وقالوا لصالح : قد اجبناك إلى ما تدعونا اليه وآمنا بإلهك ، وعلمنا أن الذي تدعونا اليه حقّ ، فآمنوا به يومهم وليلتهم . فلما أصبحوا في اليوم الثاني ، رجعوا إلى أسوأ ما كانوا عليه من الكفر والطغيان . فزجروا صالحا ، وطردوه من بينهم ، وقالوا : ما كنا لنعبد الهك وندع الهتنا التي كنّا نعبدها وآباؤنا من قبل من اجل ناقتك هذه . فاغتنم لنفسك السلامة . فقال لهم صالح : اما إذا نكصتم على أعقابكم ، فإياكم ان تمسوا هذه الناقة ، بسوء ، فيحل بكم العذاب . وإياكم ان تمنعوها حظّها من المرعى والشرب ؛ واجعلوا لها من أرضكم ناحية ترعى فيها ، ولكم الناحية الأخرى ، ولها من الماء يوم تشربه ولكم آخر . فأجابوه إلى ذلك . فمكثت الناقة ترد الماء الذي يلي ذلك الوادي ، فتستوعبه لعظمها ، حتى لا تدع منه شيئا ، فتصدر وضرعاها يحتلبان لبنا .
فيستقبلونها بالمحالب ، فيصيبون من لبنها بقدر ما كانت تشرب من الماء في الكثرة . وكان الشرب مقسوما بينهم وبين الناقة ، لهم يوم ، ولها يوم . فقال بعض من آمن بصالح يذكر ارتداد القوم ورجوعهم إلى الكفر بالله ، جل وجلاله ، والتمّرد عليه وأشار بهذه الأبيات :
اما كان في ناقة أنتجت * من الحجر الصلد « 1 » ما تعجب
وان تعجبوا ففيه العجب * وفي دون ذلك ما يعجب
ولو قلّدوا امرهم صالحا * رسول الله لما عذّبوا
ولكن أطاعوا الغواة « 2 » * فدلّو هم حيث لا مهرب
فكيف لهم بالذي بدّلوا * إذا أصبحت نارهم تلهب
إذا وطئتهم كوطي الفنيق * بكلكة حين لا مذهب
وكان فيهم شباب من عظمائهم : قدار بن سالف ، والآخر مصدح « 3 » واتّبعوهم عدّة
هامش
( 1 ) . النهاية : الصلب
( 2 ) . النهاية : العداة
( 3 ) . في مروج الذهب : 2 / 16 : « مصدع بن مفرّج