معسكر العرب . وأخذ لباسه ، وركب فرس النعمان ، متشبّها به ، لان لا يعلم المسلمون بقتله .
ثم اقبل حتى صار إلى موضع الحرب ، واشتدت القتال ، وكثرت القتلى بين الفريقين فنادى عمرو بن معديكرب بصوت له جهوري ، وكان شيخا كبيرا : يا معشر العرب انه لم يبق من القوم ، الّا آخر نفس ، فاحملوا معي ، فداكم أبى وأمي حملة أخرى ، ترضون بها الله وتعززّون بها الدين . ونادى طليحة ، فقال اليّ وحملا جميعا امام الناس ، وحمل جميع المسلمين معهم ، وقد وطّنوا أنفسهم على الموت . فقتلوا من العجم مقتلة عظيمة . وضرب الله وجوههم ، فولوا مدبرين . واخذوا نحو ذلك الجبل الذي يسمى « ايراى » ، ليعتصموا به . فانتهى إلى الخندق الذي كانوا احتفروه للمسلمين حتى يتهوروا « 1 » فيه . فجعل اللّه ذلك مهورة لهم ومهلكة ، فسقط منهم فيه نحو مائة رجل ، فغرقوا في ذلك الماء والطين . وقتل في المعركة زهاء أربعين الف رجل ، وانهزم بقيتهم على وجوههم نحو مدينة قم . وكان بها ملكهم يزدجرد مقيما . وقد كان دهاقين نهاوند وأشرافهم حضروا الوقعة ، وحاربوا العرب عصبية لملكهم ، وخوفا على أنفسهم وذراريهم وأولادهم . فصمدوا نحو هرينة « 2 » العجم نحو مدينة نهاوند ، واتبعهم نفر كثير من عظماء العجم ، فصاروا معهم . واقبل دهقان البلد مع من انضم اليه من المرابزة واشراف الأساورة ، حتّى انتهوا إلى قرية بقرب من المدينة على فرسخين تسمى فهرمذ « 3 » ، وكان فيها حصن عظيم . فدخلوا ذلك الحصن ، وغلقوا عليه باب حديد . واشتغل المسلمون يومهم ذلك بدفن قتلاهم بموضع المعركة .
فلما أصبحوا ، استعدّوا للمسير في اثر أهل نهاوند . وتولى الامر حذيفة بن اليمان ، وسار بالناس نحو ذلك القصر بفهر « 4 » . التّى تحصّن بها المنهزمون . فأحاط بها في فرسان المسلمين من العرب . فكانوا يقاتلون من فوق سور الحصن بالحجارة والنشب « 5 » . فلما علموا : انّ لا محيص لهم ، خرجوا من الحصن مستعديّن للحرب . فناوشوا الحرب ساعة واحدة ، ثم انهزموا ، فدخلوا القصر أيضا . وانقطع عنهم أيضا عظيم من أهل نهاوند يسمى دينار ، وحالت بينه وبين أصحابه ، فأخذ نحو الجبل ومعه ستة أنفار من الابطال والجلد .
واتبعهم رجل من العرب يسمى سماك بن عبيد . فلما تباعدوا به عن العسكر ، عطفوا عليه .
فقتل سماك منهم الستة أنفار الذين كانوا مع دينار . فلما رأى ذلك دينار ، استسلم وألقى سلاحه . فأخذه سماك أسيرا . فقال دينار انّى عظيم أهل هذه المدينة ورئيسهم ، فانطلق
هامش
( 1 ) . ص : تهوروا
( 2 ) . النهاية : هريبه
( 3 ) . الدينوري 144 : دزيرند
( 4 ) . ص : بفهرمك ، النهاية : فهربد
( 5 ) . النهاية : النشاب