مصافّهم ، وتواقفوا فترامو بالنبل ، حتى نفدت . ثمّ تطاعنوا بالرماح ، حتّى تكسرت . ثم أفضوا إلى السيوف والعمد ، فاضطربوا بها من لدن الغداة إلى الليل . ثم انصرف كل فريق منهم إلى معسكرهم يوم الجمعة ، ثمّ ابتكروا وتواقفوا مليّا من النهار لا يزول أحد منهم عن مصافّه ، لشدة ما أصابهم في اليوم من ألم الجراح . والعرب سكوت يذكرون الله ويسبّحونه . والعجم وقوف على خيولهم تدور عليه السقاة بالخمور ، ويغنيهم المغنون ويعزف بين أيدي الصفوف بالمعازف والزمر . فركب نعمان برذونا اشهب ، ولبس ثوبا ابيض فوق الدرع ، ووضع على رأسه فوق البيضة قلنسوة بيضاء مصقولة لها شعاع .
فحمد الله ، ثم قال : يا معشر العرب ، انّكم نظام الاسلام في أهله ، استعملوا الصبر والزموه تثابوا ، فانّكم على احدى الحسنين : اما الغنيمة والفضل واما الشهادة والفوز . ثم ركب فرسه وجعل يدور على أصحاب الرايات والصفوف ويقول « 1 » : أيها الناس ، انما قوام الاسلام باللّه ، جّل وعزّبكم . فاصبروا ان اللّه وعد الصابرين أجرا عظيما انّ هؤلاء العجم قد حبسوا عليكم أموالا وخزائن كثيرة ودنيا عريضة ان هربوا اسلموا خزائنهم واموالاهم إليكم . وانما تخطرون أنتم عليهم بالاسلام والحرمات . فان هربتم ؛ اوهنتم الاسلام ، واضعتم الحرمات ليشتغل كل منكم « 2 » بقرنه ولا يكل قرنه على أخيه ، فان ، ذلك عار « 3 » في الدنيا وعقاب في الآخرة . ايّها الناس انّ عاقبة الصبر محمودة ، وزمع الصبر يكون النصر . فجعل يدور ، ويقول هذا على الناس ، والناس وقوف تحت راياتهم وفي صفوفهم .
ثم أقبل المغيرة بن شعبة فقال : ايّها الأمير ، انّ الناس متشوقوّن إلى لقاء هؤلاء العجم ، وقد استعدوّا للحرب ، فما تنتظر ؟ فقال النعمان : يرحمك الله ، فانى منتظر للساعة التي كان رسول الله يتفّأل بها ، وهو وقت الزّوال ومهّب الرياح . حتى إذا قارب ذلك الوقت ، نادى النعمان : يا معشر العرب انّى اهزّ الراية ، فمتى اهزّ الراية ثلاث مرات ، فإذا هززت أولا ؛ فكبّروا ، وليستوثق كل رجل منكم من حزام فرسه ، وليستو على متنه . وإذا هززته الثالثة ؛ فكبروا ، واحملوا ، فانى احمل اوّلكم . ولا قوة الا باللّه العظيم . فمدّ الناس أعينهم إلى الراية .
فلما الشمس ، وهبت الرياح ؛ هز النعمان الراية ، فنزل الناس عن خيولهم ، وشدّوا حزمها ، واستوثقوا منها . ثم هزّ الثانية ، فاستعدّ القوم ، وأشرعت الأسنة ، وهزوا السيوف ثم هزّ الثالثة ، فحمل النعمان ، وحمل المسلمون معه . فلم يكن للعجم ثبات عند حملتهم ، فانهزموا على وجوههم . فكان النعمان بن مقرن اوّل قتيل . فاحتمله سويد اخوه ، فأدخله
هامش
( 1 ) . الطبري 2623 و 2624
( 2 ) . الطبري 1 : 2624
( 3 ) . ص : الحرمات وكان ذلك عارا . . . عقاب