تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
جعلت رمحى رعدها ، وسيفي برقها ، أمطرها دما ، وانزل جنباتها « 1 » جزرا . ولم انكل عن خوض خضاضها ، والانغماس في لججها ، وأكون كهفا لفرسان امامها ولأصحابي فيها . فقال كسرى : لعدىّ بن زيد : أهو هكذا ؟ فقال عدىّ : ايّها الملك فعاله « 2 » انطق من لسانه ، وانّه لفارس العرب ، وذو النجدة والحسب . فقال كسرى : للّه درّ العرب ما اسمح عزّها ، وامرّ نفسها ، وأعظم شأنها ، وأجرأ قلوبها . ثم أذن للحارث بالجلوس ، فجلس ثم دعا بقيس بن مسعود ذي الجدين ، وهو المعروف به ، فقد كان كسرى عارفا به ، لما وفد اليه مرارا . فقال : اتصّلت بك سبل الرشاد ، ووفقت لمسالك السداد ، ورزقت المحبّة من العباد . ثم لم نأت لنجيش لك صدرا ، ولا لنزرع في قلبك حقدا ، لانّك ملك ممّلك ، وفيك إلى العلّو مسلك . لم نفد لمساماتك ، ولا لسبب معاداتك ، ولا لطلب مجاراتك . بل اتيناك لنعلمك انّا في العقول غير مخترعين ، وفي الحروب غير معرضين . ان رجوتنا فغير مسبوقين ، وان سبقتنا فغير مغلوبين . قال كسرى : الا انّكم إذا ضممتم فغير وفيين « 3 » . وقد كان قيس قبل ذلك تولّى لكسرى مرعى السواد ، فلم يمكنه القيام به . فعرض كسرى بذلك فقال قيس : انّى لم أكن في ذلك الاكواف غدر به أو خفير « 4 » نقضت ذمته . قال كسرى : لا يكون الضعيف ضمانا ، ولا الدليل خفارة . ومن ائتمن الخونة ، واستبرأ الأثمة ؛ ناله ما نالني من الخطأ . وليس الناس كلّهم سواء . فكيف الحاجب بن زرارة لم يغدر ، فأنجز الوعد ، ورهن قوسه فوفى بالعهد . قال قيس : صدقت ايّها الملك ، لقد وفى فأحسن ، ورهن قوسه فأثمن . وما شرف ذلك إلا لي ، وفضله راجع اليّ . ثم اذن له كسرى ، فجلس . ثمّ دعا بعمرو بن معدى كرب الزبيدي . فأقبل حتى وقف ، فقال : انما المرء باصغريه قلبه ولسانه ، وإن أبلغ المنطق الصواب . وملاك النجدة البيان ، وعفو الرأي أفضل من استكراه الفكرة . وتوفيق الخير خير من اعتساف الخير . وان تخطّك منّى النصيحة ، فلن يخطّك الوفاء بالذّمة . فاحترز تكافحنا ، فأقم بادرتنا بفضلك ، لنكون لك كبغل يسلس قياده . لانّا أناس لم يؤنس منا ضعف ، ولم تكن قناتنا تلين لقرع قارع ، والوفاء منا خليقة ، والطاعة منا حقيقة . لا نقف لضيم ، ولا نخضع لدهر بريب . ثمّ اذن له ، فجلس . ثم دعا بعمرو بن سدوس . فأقبل حتّى وقف ، ثم قال : نعم ايّها الملك بالك ، ودامت بالسرور حالك . ان عقبات الكلام متدبّرة ، وفي استعماله عبرة . ولصواب الكلام مهلة ، الا ان في قليل العقول بلغة ، وفي الملوك سورة الغرّة . هذا مقام سينطق به الركب ، يخمل فيه من يجهل ، ويشرف من يعدل . لم نأتك
هامش
( 1 ) . ص : جنابها ( 2 ) . النهاية : افعاله ( 3 ) . النهاية : وفى ، ص : وقيين ( 4 ) . ص : حقير