تساهل تآلف لا تكلفنا الصيال ، ولا تحمّلنا على النزال ، فان العاشية تهيج الابية . وهذه الكلمة مثل تضربه العرب ، يقول : إذا دعت الإبل بالعشا ما لا تراه من شموس الحشيش يقع الوباء فيه . قال كسرى : ايّها الشيخ ما أحكم منطقك ، وأتقن مقالك ، لولا وصفك آخر كلامك في غير موضعه . قال أكثم بن صيفي : من أراد المحاجزة ، فمن خوف المناجزة . رب قول أنفذ من صول . ثم امر كسرى ، فجلس على كرسي أدناه إلى « 1 » كسرى . ثم دعا حاجب بن زرارة ، فأقبل حتى وقف امام كسرى ، وكان كسرى محبا له لوفائه . فقال : مرحبا بك ، ونما ملكك ، وعزّ سلطانك ، وعلوت في غلوائك ، ووقيت محذور امرك . ان العرب امّة غلظت أكبادها ، ومنعت درّتها ، وأعيا قودها ، وهي وامقة لك ما وامقتها ، مسترسلة إليك ما راسلتها ، مدامجة لك مادامجتها ، وهي العلقم مرارة ، والصاب فظاظة ، والعسل حلاوة . ونحن وفودها عليك ، وألسنتها لديك . ذممنا مخطوطة ، وانسابنا مشهورة ، وعشائرنا لك مطيعة ، وقبائلنا لك سامعة ، ان ننصرف لك حامدين تجزل لحبائك شكرها ولم ندممك « 2 » ان لم تخلطه بالدم درتّها قال كسرى : ان أشبه أحجار الجبال ألوان صخورها ، بقول ان كلامكم يشبه قلة خير بلادكم . قال حاجب بن زبير : الأسد شبّهت بشدة صولتها . فاستعذب كسرى جوابه ، فتبّسم ، ثم أو مأ اليه ، فجلس على كرسي آخر . ثم دعا بالحرث بن عباد البكري ، وهو صاحب النعامة ، التي قال فيها في حرب بكر وتغلب :
« قرّبا مربط النعامة « 3 » منّى » . فأقبل حتّى قام امام كسرى ، ثم قال : ادام الله لك الملك باستكمال جزيل العطاء ، وبلوغ الرفعة والسناء ، انه من طال شأوه كثرت منحه ، ومن قدر كان أولى بالعفو . وعند عين الماء للورود تتفاضل الشرب ، وعند تناقل الاقدام يعرف اللبيب . وهذا مقام سينطق به الركب ، ويعرف فيه أمرنا العجم والعرب . نحن جيرانك الأذنون ، واعوانك الأعلون . حمولنا خير حمولة ، وفرساننا نخبة . ان استنجدتنا فغير وظف ، وان استنهضتنا فغير جهض ، وان ظلمتنا فغير غمض . لا نستكين لدهر ، ولا نرهب لدعر « 4 » . أعمارنا قصيرة ، وأحلامنا طويلة . قال كسرى : ان قصر عمرك لم يستول على ما تريد بنفسك . قال الحرث : ان الفارس إذا حمل على كتيبة ، فإنها منية استقبلها ، وحياة خلفها . وان من يحضر من العرب ، ليعلم انّى ابعث الحرب قدما ، وادينها حرارة ولهبا .
حتى إذا استبان ضرامها ، واستعر لظاها ، وكشفت عن ساقها ، وكثر عناقها ، وبدا سبّاقها ؛
هامش
( 1 ) . النهاية : من
( 2 ) . الصحيح : فذممك
( 3 ) . النهاية : قدّما مركب
( 4 ) . الصحيح : لذعر