تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
غيرهم . فلما سمع كسرى ما أجابه به النعمان ؛ عرف صدقه في ذلك ، وعلم انّه لم يتزّيد في مقالته ، ولم يكذب في لفظه ، لانّه قد كان تحقّق ذلك كله عنده ، وبلغه عن غير النعمان عجب من رصانة عقل النعمان ، وادلائه بالصّواب في قوله ، وما احتّج به عن قومه ، واستحلى حسن لفظه ، وأعجبه جرأة مقدمه ، وحسن مجاورته . فقال : يا بن المنذر ، انّك لأهل لما أنت فيه من الرئاسة على قومك ، والفضل الذي هو فيك على عشائرك ، ولقد صدقت في جميع ما قلت ، ولقد بلغني ذلك كله عن غيرك ، وبالحكم تكّلمت . ثم كساه خلعا كثيرة من لبوسه ، وأكرمه ، وأعظم حبوته ، وردّه إلى مملكته ، وقد زاد ما سمع منه عنده نبلا وحظوة لديه . فلما قدم النّعمان الحيرة ، بعث رسله في احياء العرب بأشخاص عشرة أنفار من ساداتهم وفرسانهم ، وأهل النباهة منهم والحكمة والعقل فيهم . فشخصوا إليهم ، وكانوا من هذه أسماؤهم ؛ منهم : أكثم بن صيفي التميمي وكان من حكماء العرب وعقلائهم . حاجب بن زرارة التميمي ، وكان من فرسان العرب وساداتهم . وخالد بن جعفر العامري ، وكان من أهل النباهة والشرف والفضل . وعلقمة بن علاثة العامري ، وكان سيد قريش ورئيسها . والحرث « 1 » بن عباد البكري فارس النّعامة ، وكان من حكماء العرب وفرسانهم . وعمرو بن معدى كرب ، وكان فارس العرب في الجاهلية والاسلام . والحرث بن ظالم ، وكان من سادات العرب وفرسانه . وعامر بن الطفيل المزنى ، وكان فارس قومه وسيّدهم . فساروا حتى وافوا الحيرة ، فدخلوا على النعمان ، وهو في مجلس له بالخورنق ، فسلّموا عليه ، وحيّوه بتحيّة الملوك . فأذن لهم ، فجلسوا عن يمينه وشماله على مراتبهم وفضل اقدارهم . فقال لهم النعمان : انّى بعثت إليكم لكلام سمعته من الملك كسرى ، فخفت ان يكون انّما اظهر ذلك احتقارا منه للعرب ، وتصغيرا لشأنهم . وقد عرفتم قرب جوارنا معشر العرب منه ، وقد أحببت ان يعرف غور « 2 » عقولكم ومخّة « 3 » آدابكم ، وشدّة أنفسكم ، ورصانة ألفاظكم . ثم اقتصّ عليهم مقالة كسرى ، ومارّد عليه حرفا حرفا . فقالوا : أيها الملك ما أحسن ما جاريته ، واحكم ما حاججته ، فمرنا بأمرك ننته اليه . فقال لهم : انما انا كأحدكم ، وليس من عزّى إلا بكم ، ولا شئ آثر عندي من تقوية امركم ، وثبات منعتكم ، وكبت عدوكم . وقد رأيت أن تسيروا بأجمعكم إلى الملك كسرى ، فينطق كلّ واحد منكم بما يحضره من الكلام المتين الرّصين ، ليعلم انّ العرب على غير ما ظنّ وخلاف ما حدث به نفسه . ولا ينقص أحد منكم بما ينقضه ويغضبه ، فإنه ملك مترف كثير الأعوان عظيم
هامش
( 1 ) . تكتب اليوم : الحارث ( 2 ) . النهاية : غزر ( 3 ) . النهاية : صحة ، وهو الصحيح