تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
اللّحظة ، ويومئ الايماء ، فيجعل للمومى اليه الملحوظ نحوه ذلك عهدا وثيقا دون خرج نفسه . واما ألسنتها ، فان الله ، عزّ وجّل ، قد أعطاها من ايجاز المنطق وعذوبة الكلام ما لم يعط أحدا مثله بين الناس ، مع ضربهم الأمثال ، ونظمهم « 1 » الحكمة بالاشعار ما لم يقدر أحد على مثله من الأمم التي ذكرها الملك . اما خيولهم أفضل الخيول الخيل العتاق ، ولباسهم أفضل اللباس حلل اليمن وبرودها ، ومعادنهم البحر الذي يكون فيه الدّر والياقوت ، وحجارة جبالهم الجزع وحشيش ارضهم الورس ، ومطاياهم الإبل التي لا يقطع الاسفار البعيدة الا عليها ، ولا يسلك القفار والفيافي إلا بها . واما سخاؤها فان الرجل منهم ، يكون له البكرة أو الناقة الّتى منها درّها وعليها حمولتها ، فيطرقه الضعيف الّذى يجتزئ بالأكلة ويكتفى بالبلغة ، فينحرها له . واما ما ذكر الملك ان ليس لها ملك يجمع قواصيها ، ويمنع عنها عدوها ، كسائر الأمم ؛ فسائر الأمم انّما ملكت عليها ملوكها ، لانّها اقرّت من أنفسها بالضعف ، وتخوفها من أعدائها بادرة الزحف « 2 » ، فأرادوا ان يدفع ملكهم عنهم أعداءهم ، ويأخذوا لضعيفهم من قويّهم ، ويمنعوا لهم قواصيهم . فاما العرب ، فقد كادوا يكونون كلّهم ملوكا أغلظ أكبادهم وانفهم « 3 » من أداء الخراج والاقرار بالقهر . ولكل قبيلة رئيس منها ، وسيد يحمي ما يليه . واما ما ذكرت ايّها الملك ، انّهم يقتلون أولادهم من الحاجة ، فإنما يفعل من فعل ذلك منهم بالإناث دون الذكور غيرة من النكاح ، وأنفة من الأزواج ، لا من الحاجة والضّرّ . واما ما ذكرت من الإبل ، وزعمت انّها زهمه اللحوم غليظة الشحوم ، وخمة المذاق ؛ فليست كذلك ، بل هنّ أكثر البهائم شحوما ، واطيبها لحوما ، واحلاها مضغة ، واقلّها غائلة ، لانّه ليس شئ من اللحمان تطبخ له لحوم الإبل بالماء والملح ، إلا استبان فضل لحوم الإبل عليها . وانما تركت العرب في بيع ما سوى الإبل ، واحتقروا منها ، فعمدوا إلى أعظم الانعام عظما ، وأقواها ، فجعلوا « 4 » ركابهم وطعامهم . وامّا ما ذكر الملك من رياض اليمن ، وتوطئة ما كان من كسرى انوشيروان لها ومملكتها ، فانّه انّما بعث إليها الجيش عند غلبة الحبش « 5 » عليها ، فورد على امر مستوسق وجند مجنّدة ولولا ما كان من تحاسدهم على سلطانهم وتنافسهم في ملكهم ووقوع العصبيّة بينهم ، حتّى حملهم على ذلك التحاسد ، وحدأهم على التخاذل ؛ لما قدرت الأحباش على افتضائهم سلطانهم ، ولا ابتزازهم ايّاه ، ولكان فيها من يجيد الطعن « 6 » ويأنف من الضيم ، ويستغنون عن استنصار
هامش
( 1 ) . النهاية : نطقهم ( 2 ) . النهاية : بادرت الوخف ( 3 ) . النهاية : انفتهم ( 4 ) . الصحيح : فجعلوه ( 5 ) . النهاية : الأحباش . ( 6 ) . النهاية : الطعان
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 404 | محمد تقى دانش پژوه / مؤلف مجهول