منها هذه اللقمة » ! وظننت انّ الامر على ما قال . فكان ما قد علمت من بغيى عليه ، حتّى اخرجه ذلك إلى ما صاروا اليه . واكتب اليه ليرضيه ، واعلم انّى قد وجهّت اليه بيزدانجشنس بذنبه « 1 » . وان هو رضي بذلك ، ورجع لنا إلى ما كان عليه من الطاعة والاستقامة ، ولم يعترض ليزدانجشنس بمكروه ، إذا وصل اليه ، وباء عنده بذنبه . فقال قاضى القضاة : هذا لعمري هو الرأي ولكن هل ينظر ما عند يزدانجشنس في ذلك ، وهل تطيب نفسه بالخروج اليه أم لا ؟ فأرسل الملك اليه ، واعلمه ما رأى من الرأي من الرأي في ذلك .
قال يزدانجشنس اما طيب النفس بالموت فيما يصلح اللّه به امر الملك ، ويجمع فيه الفئة ، ويحقن دماء جنوده ، فليكتب اليه بما احبّ الملك ، فأنا خارج اليه . فكتب الملك معه كتابا إلى بهرام يستعطفه فيه ، ويسأله الصفح عن يزدانجشنس إذ أتى مقرّا بذنبه متنصّلا ممّا كان منه . فتهيّأ للخروج . وكان له ابن عمّ حبسه الملك ببعض الجرائم . فلما بلغه ان يزدانجشنس خارج إلى بهرام ، كتب اليه من الحبس : ابن عمى ، انّ عندي غناء وعندي جزاء ، فان رأيت أن تستوهبنى من الملك ليطلقنى ، فأخرج معك في وجهك هذا ، فانا أولى الناس بخدمتك ومعونتك في سفرك . فدخل يزدانجشنس ، فأتى همدان ، فنزلها وهو خائف وجل من سطوة بهرام ، ولم يأمن ان يأخذه بذنبه ، فيقتله . فقال لصاحب منزله :
هل بهذه المدينة كاهن أو عرّاف أو عيّاف ؟ قال : هاهنا امرأة كاهنة . قال : انطلق ، فأتني بها ! فانطلق صاحب منزله ، فأتاه بها ، فخلا بها ، وجعل يسألها عمّا يؤول اليه الامر في سفره ، إذا قبل ابن عمّه ذلك الذي كان استوهبه من الملك مقبلا من باب الدار . فلما نظرت اليه الكاهنة ، قالت ليزدانجشنس : ما تصنع بكثرة هذا السؤال ، وانّما منيّتك بيدي هذا المقبل .
فعلم انّها قد صدمته ، وذلك انّ المنّجمين قالوا عند ولادته : انّه يقتله رجل من أهل بيته .
فأمر الكاهنة بصلة ، فخرجت . ثم كتب إلى الملك كتابا يعلمه ان قد ردّ عليه الذي كان استوهبه منه ، ويسأله ان يرّده إلى محبسه ، أو يأمر بقتله . ثم دعا به ، وقال له : انّى قد كتبت هذا الكتاب ، وفيه ما لا احبّ ان يعلم به أحد من الناس ، ولا أثق بأحد من الناس غيرك ، لأنك ابن عمى ، واحقّ الناس بمعونتى . فأخذ الرجل الكتاب ، وخرج من الدار ، وقال في نفسه : ما معنى رجوعي إلى الملك ، وانا تخلصّت من حبسه بعد جهد وحين « 2 » . وقد نظر إلى الكاهنة ، وقد أشارت ، وقالت : انّ منيتّك في يدي ، هذا ، فارتاب بذلك وقال : والله لا فكّن ختم هذا الكتاب الذي لا علم لي بما فيه . ففكّ الكتاب ، وقرأه ، فإذا فيه حنقه « 3 » ،
هامش
( 1 ) . تاريخ : يرضيه
( 2 ) . تاريخ : عهد وحيرة .
( 3 ) . الصحيح : حتفه