الله ، حبانى ، وكافأنى بحسن بلائي وعظيم عنائي بهذه الجامعة وهذه المنطقة والمغزل ، وقد انتهيت فيها إلى ما أمرني ، ولست اعدو امر الملك ، ولا أخالفه ، لعلمي انّ الأعداء والحسّاد حملوه على ذلك وزينّوه . فعلم أصحابه انّ الملك لم يشكرهم ، ولا عرف لهم بلاءهم وعظيم عنائهم ، فشّق ذلك عليهم ، وقالوا : إذ لم يعرف لك بلاءك ، فنحن احرى لنا ان لا يعرف لنا . ونحن نقول كما قال خوارج أولينا : « لا اردشير ملك ولا ابر سام وزير » .
فقال لهم بهرام : لا تفعلوا ، فانّكم تقتلون أنفسكم بالأسف . فقالوا : لئن أنت ساعدتنا على خلعه والا حتقار به ، والا وليّنا على أنفسنا غيرك . فلما نظر إلى اجتماعهم على ذلك ، أجابهم إلى الدخول معهم فيه ، مع اغتمام شديد واسف عظيم وكآبة شديدة . فخرجوا من عنده ، وقد اتّفق رأيهم جميعا عل خلاف الملك وخلع طاعته . فلما أصبحوا في اليوم الثاني ، قال مردانشينه ويزدجشنس « 1 » لبهرام : ايّها الاصبهبد ان الكآبة قد غلبتك ، والهمّ قد اشتمل عليك ، فأخرج بنا إلى الصّيد ، ليسألوا « 2 » بعض ما بك من هذا الغّم « 3 » . فخرج إلى الصّيد ومعه نفر من أصحابه ؛ فيهم : هرمزد جرابزين الذي كان الملك وجّه به في اوّل الامر إلى ملك الأتراك ، ليعمل فيه الخديعة ، فيكفّه بذلك عن الغارة والفساد ، ويزدك كاتب الجند . فلما اصحروا رفع لهم حمار وحش ، فدفعوا دواّبهم في طلبه ، فمرّوا جميعا في طلبه . فأدخلهم غيضة كثيرة الأشجار ملتّفة ، وتبعوه وقطع بهم الغيظ ، حتّى اخرجهم إلى بطن وادى فيه قرى وحصون وقصور وشجر كثير وانهار تطّرد ثم غاب عنهم الحمار ، فلم يروه ، فمالوا إلى قصر من تلك القصور . فنزل بهرام على باب ذلك القصر عن دابّته ، فناولها مردان شينه ، وقال : أمسكها ، ثم دخل القصر ، فلبث هوينا . فخرج غلمان من القصر معهم العلف لدوابّهم . ثم انصرفوا إلى القصر ، فأخرجوا إليهم طعاما كثيرا ، فوضعوها بين أيديهم . ثم أتوهم بشراب ، فسقوهم . فلما ابطأ بهرام عليهم ، قام مردانشينه ، فدخل القصر ، لينظر ما حال بهرام . فنظر اليه ، وهو جالس في بيت من بيوت القصر من خزف ، ومعه في ذلك البيت جارية ذات جمال ، وهي توصيه وتوعز اليه بأمر لم يفهمه مردانشينه . فنظرت الجارية إلى مردانشينه ، وقالت : اخرج إلى أصحابك ، حتّى يخرج إليكم سيدّكم . فخرج إلى أصحابه ، فجلس حتى خرج إليهم بهرام والجارية معه . ثم ودعته ، وقالت : كن منصورا ! ثمّ انصرفت . ودعا بهرام بدابته ، فركبها ، وركب معه أصحابه . فانصرفوا ، ولم يسأله أحد منهم عن شأنه . فلما جّن على هرمزد جزابزين ومزدك الكاتب الليل ، خرجا هاربين من
هامش
( 1 ) . تاريخ : مرادان نشينه ويزدان ان يخشيش .
( 2 ) . الصحيح : ليسلوا
( 3 ) . تاريخ : العجم