وحسن التربية . اجتنبوا الحسد ، فان له في قلوب الناس معدنا « 1 » ، وليس صنف من الأصناف أضعف رأيا ممّن يحسد أهل طبقته . فامّا من كان فوقه ، فلا ينبغي له ان يمدّ اليه عينيه ، لمعرفته باللّه الّذى رزقه ذلك . فاما من كان دونه ، فليكن قدره أعظم في نفسه من أن يحسده . ثم دعا بابنه هرمزد ، فقال : يا بنىّ اقتصد وتواضع ؛ وإذا أعطيت فاشكر ؛ وإذا ابتليت فاصبر ، وإذا وعدت فانجز ، وإذا عزمت فاحكم ، وإذا قدرت فاصفح . وابذل معروفك ، وكفّ اذاك . وإذا قضيت فاعدل ، وإذا عاهدت فاتمم « 2 » ، وإذا هممت بالعقوبة فتثبت . واستعمل أصحاب الاخبار على اعمالك ، واقبل النصيحة من نصحائك ، وان اغلظوا لك بعض الاغلاظ ، واترك اللّجاج . وأقم رعيتّك على سننهم ، وليأمنك بريئهم وليخفك سفيههم . وتعاهد ثغورهم وأطرافهم . فهذا عهدي إليك ووصيتّى لك ولقومك ، وان أسأل الله توفيقكم جميعا وارشادكم . والسلام . ثم مات كان ملكه اثنتين وأربعين سنة .
ملك هرمزد بن كسرى أنوشروان
ثم ملك هرمزد بن كسرى فقال يوم ملك : الحلم عماد الدين ، والجود عماد المروة ، والرفق ملاك الأمور . وانّه قام فيهم خطيبا ؛ فقال : ايّها النّاس ، وانّ اللّه خصنّا بالملك ، وعمّنا بالعبوديّة ، وكرّم مملكتنا على الرعيّته ، فأعتقكم بها من عبوديتّنا ، وأعزّنا واعزّكم بعزّنا ، وقلّدنا الحكومة فيكم ، وقلدكم الانقياد لنا . وقد أصبحتم على فرقتين : إحداهما أهل الشرف ، والأخرى أهل الضعة . فلا يستأكل منكم قوىّ ضعيفا ، ولا يغشّ شريف وضيعا . ولا يتوقّن نفس أحد من أهل السوقة إلى ضيم أحد من أهل الضعة ، فانّ ذلك وهن لملكنا . ولا يرومنّ أحد من أهل الضعة الأخذ بما أخذ أهل الشرف ، فان في ذلك انتشار لسلطاننا « 3 » ، وزوال ما يجب قوامه من أمرنا ، وفوت « 4 » ما يحاول ادراكه في تدبير أمرنا ، ومفسدة عارها علينا شديدا ، وضرّها لدينا كثيرا .
واعلموا ايّها الناس ، وانّ سياستنا العطف على أهل الشرف والعليّة ، ورفع مراتبهم ، واظهار كرامتهم ، والرحمة للضعفاء ، والذبّ عنهم ، وحسم الأقوياء من ظلمهم ، والتعدّى عليهم ، والقيام بنصرة المظلومين ، والادلال بحجّتهم ، والقول برّد مظالمهم عليهم ،
و
هامش
( 1 ) . ص : معذبا
( 2 ) . تاريخ : وإذا وعدت فاهمم
( 3 ) . ص : انتشار اسلطانيا ، تاريخ : انتشار لسلطاننا ، النهاية : انتشار سلطانيا
( 4 ) . بقية النسخ : فوق ، الدينوري : فوت