الاستطالة على الضعفاء والقهر لأهل الضعة .
وكان هرمزد ملكا متحرّيا بحسن السيرة ، مثابرا على استصلاح الرعيّة رحيما بالضعفاء ، شديدا على الأقوياء ، وبلغ من تحرّيه المعدلة وتنكّبه الظلم انّه كان يسير إلى ارض الماه « 1 » متصيّفا في كل عام ، وكان يأمر عند مسيره مناديا ، فنادى في عسكره بتنكّب أمكنة الحروب وضبط الجنود عن الاضرار بالدهاقين وحسم دوابّهم عن الفساد . ووكّل بتعاهد ذلك والقيام به والمعاقبة لمن تعدّى فيه ، ويولّي امره رجلا « 2 » من ثقاته الذين لا يخالفون امره ، ولا يؤثرون شيئا على طاعته . وكان ابرويز الذي ملك بعده ذات يوم معه في مسيره ، فغاب مركب من مراكبه ، فوقع في زرع على طريقه ، فرتع فيه وأفسده . فأقبل صاحب الزرع إلى ذلك المركب ، فأخذه ورفعه إلى الموكل بالنظر في مظالم الرعيّة . فلم يمكن الموكّل بذلك المركب ان يعاقب ابن الملك . فرفع امره إلى الملك ، وأخبروه بما افسد من مركبه . فأمر الملك بالفرس ان يجدع اذنه ، ويبتر ذنبه ، ويغرم صاحبه مقدار مائة ضعف بما افسد من ذلك الزرع . فخرج الموكّل بذلك من عند الملك ، لينفذ امر الملك في فرس ابنه ، فتحمل عليه ابنه بنفسه وبالعظماء والمرازبة ، فسألوه ان يصفح عما امر به الملك من ذلك في جدع اذني الفرس وبتر ذنبه ، على أن يغرم كسرى لصاحب الزرع .
ألفي ضعف مما افسد المركب من زرعه . فلم يجبه الموكّل إلى ذلك ، ولم يصغ بسمعه اليه . فأخذ الفرس وجدع أذنه وبتر ذنبه .
وبلغ أيضا من ضبط جنوده عن الفساد ، وشّدة خوفهم منه ، انّه ركب ذات يوم في أوان ايناع الكروم إلى ساباط المدائن متنزّها ، وكان ممّرها على كروم وبساتين . وانّ رجلا من اساورته ، اطلع في كرم ، فرأى فيه عنبا غضّا ؛ فأمر غلامه ، فنزل اليه ، واخذ منه عناقيد ، وقال انطلق به إلى المنزل ، ان يطبخ لي مرقة حصرمية باللحم . فاقبل حافظ ذلك الكرم ، فتعلّق بالغلام ، وصاح حتّى بلغ ذلك صاحبه . ففزع وتخوّف عقوبة الملك ، فدفع منطقته إلى حافظ ذلك الكرم وكانت محلاة بالذهب والفضة مفضّضة بالجوهر ، فافتدى بها نفسه من عقوبة الملك ، ورأى لحافظ ذلك الكرم الفضل عليه . ودفع اليه بعض الهرابذة رقعة ، يوقع فيها على النصارى واليهود لمخالفتهم ملّتهم . فوقع أسفل الرقعة : كما انّه لا قوام لسرير مملكتنا بقايمتيه المقدمتين الا بالمؤخرتين ، فكذلك لا قوام لملكنا الا باستصلاح من في مملكتنا من أهل الملل التي خالفت ملّتنا . فدعوا عنكم البغى على
هامش
( 1 ) . ص والنهاية : المياه ، تاريخ : الميات ، دينورى ( ص 80 ) الماهين الطبري ( 989 ) : الماه
( 2 ) . تاريخ : ويولّى امرا رجلا ، ص : فعار ، النهاية : ففعل